في زمنٍ تُختزل فيه الرياضة غالباً بالأرقام والنتائج، وتُقاس الإنجازات بلحظة فوز عابرة، تبرز قصص مختلفة، أكثر عمقاً وأصدق أثراً. قصص لا تُبنى على الأضواء، بل على الاستمرارية، ولا تُختصر بمباراة واحدة، بل تُروى من خلال مسار كامل. من هذا المنطلق، تبرز البطلة اللبنانية نور عواضة، ابنة بلدة زفتا الجنوبية، كإحدى الحالات الرياضية التي تستحق التوقف عندها، لا بسبب تعدّد ألعابها فحسب، بل بسبب الطريقة التي تعيش بها الرياضة كفلسفة حياة، وتوازنها الواعي بين الجهد البدني والمسار الأكاديمي.
نور ليست رياضية وحسب، بل طالبة جامعية تؤمن بأن بناء العقل لا يقل أهمية عن تقوية الجسد. في يومها، يتقاطع التدريب مع الدراسة، والالتزام الرياضي مع المسؤولية الأكاديمية، في معادلة دقيقة لا ينجح فيها إلا من امتلك انضباطاً داخلياً حقيقياً. هي لا تنظر إلى الجامعة كعبء إضافي، بل كامتداد طبيعي لشخصيتها الطموحة، وخيار واعٍ لبناء مستقبل متكامل.
وفي تجربة نور، لا يبدو اجتماع الكرة الطائرة وكرة القدم تناقضاً، بل تكاملاً. في الظاهر، قد تبدو الرياضتان متباعدتين: الأولى تُلعب في مساحة محدودة، تعتمد على القفز، التوقيت، والتركيز العالي، فيما الثانية تمتد على ملعب واسع، تقوم على الجري، التحمل، وقراءة الميدان. غير أن نور نجحت في الجمع بين النقيضين، لتصوغ شخصية رياضية متوازنة.
منحتها الكرة الطائرة الدقة والانضباط. هناك تعلّمت أن اللحظة الواحدة قد تصنع الفارق، وأن قراراً سريعاً أو حركة محسوبة قد يغيّرا مجرى المباراة. شكّلت هذه الرياضة أساس تركيزها الداخلي، وصقلت قدرتها على الثبات تحت الضغط، حيث كل تفصيل محسوب، وكل خطأ له ثمن.
في المقابل، منحتها كرة القدم الاتساع والنَفَس الطويل. علّمتها الصبر، والعمل الجماعي، والحضور الذهني والبدني على امتداد زمن المباراة. في كرة القدم، لا تكفي القوة في لحظة واحدة، بل يُطلب الثبات والاستمرارية والتكيّف مع متغيرات لا يمكن ضبطها دائماً. هناك، طوّرت نور قدرتها على قراءة اللعب، توقّع الحركة، والانسجام مع الفريق.
ما يجمع هاتين التجربتين في شخصية نور هو الذهنية. ذهنية اللاعبة التي تدرك أن الجهد الفردي لا يكتمل إلا بروح الفريق، وأن النجاح ليس نتاج موهبة واحدة، بل حصيلة انسجام بين التركيز والانطلاق، وبين الصلابة والمرونة. الكرة الطائرة عزّزت سرعة ردّة فعلها، وكرة القدم وسّعت رؤيتها. الأولى قوّت عضلاتها، والثانية درّبت قدرتها على التحمل.
في العمق، لا تنتقل نور بين رياضتين بقدر ما تنتقل بين حالتين داخليتين. في الكرة الطائرة، تواجه نفسها مباشرة، وفي كرة القدم، تذوب داخل الجماعة. هذا التوازن النادر يتطلّب نضجاً مبكراً وإدارة واعية للطاقة والوقت، وهي القيم نفسها التي تنعكس في مسيرتها الجامعية، حيث الانضباط والالتزام يشكّلان القاعدة الأساسية.
اجتماع الرياضتين في حياة نور ليس عبئاً، بل مصدر غنى. كل واحدة تغذّي الأخرى: القوة المكتسبة من القفز تخدم السرعة في الملعب، والقدرة على التحمل تعزّز الثبات في المباريات الطويلة. والأهم، أن العقل الذي يتعلّم تبديل الإيقاع، يصبح أكثر مرونة في مواجهة تحديات الحياة.
لهذا، لا يمكن النظر إلى نور عواضة كلاعبة تمارس رياضتين فحسب، بل كرياضية تبني ذاتها بوعي، وطالبة جامعية تشق طريقها بعقل منظم ورؤية واضحة. هي تدرك أن الإنسان لا يُختصر في مسار واحد، وأن الشغف حين يُدار بحكمة، لا يتشتّت، بل يتضاعف.
بين الجامعة والملعب، وبين الكرة الطائرة وكرة القدم، تتجلى صورة نور الحقيقية: فتاة تعرف متى تقفز، ومتى تركض، متى تدرس، ومتى تنتظر اللحظة، ومتى تصنعها. وهذا، في جوهره، ليس توصيفاً لمسار رياضي فحسب، بل فلسفة حياة.
في مشهد رياضي يحتاج إلى نماذج واعية أكثر من حاجته إلى الضجيج، تقدّم نور عواضة صورة مختلفة للرياضية الشابة والطالبة الجامعية معاً؛ صورة تقوم على التوازن، والانضباط، والفهم العميق للعبة وللذات. هي لا تسعى إلى اختصار الطريق، ولا إلى حصر نفسها في إطار واحد، بل تمضي بثبات، مدركة أن القيمة الحقيقية لا تكمن في تعدّد الإنجازات فقط، بل في الطريقة التي تُبنى بها.
هكذا، تصبح قصة نور عواضة أكثر من سيرة رياضية؛
تصبح حكاية عن شغف يُدار بوعي، وطموح يُبنى بصمت، ونجاح لا يأتي صدفة.




