في مشهد إقليمي ودولي بالغ الحساسية، تتراكم المؤشرات التي توحي بأنّ الشرق الأوسط يقف على أعتاب مواجهة كبرى، قد تكون الأخطر منذ سنوات. إيران تتقدّم واجهة هذا المشهد، في وقت تتشابك فيه المصالح العسكرية والاقتصادية للقوى الكبرى، وسط حالة من الإلهاء السياسي والضبابية المقصودة.
تُظهر المعطيات الميدانية أنّ إيران رفعت مستوى جاهزيتها العسكرية إلى درجات غير مسبوقة، واضعةً نفسها في موقع رأس الحربة في أي صدام محتمل. هذا الاستعداد لا ينفصل عن دعم خارجي متزايد، تتصدره الصين، التي عملت على تزويد طهران بأسلحة ومنظومات دفاع متطورة، عززت من قدراتها الردعية بشكل ملحوظ.
وبحسب تقديرات استراتيجية، يشمل هذا الدعم الصيني منظومات دفاع جوي متقدمة بعيدة ومتوسطة المدى، مثل أنظمة شبيهة بـ HQ-9، ورادارات إنذار مبكر عالية الحساسية، وأنظمة حرب إلكترونية، إضافة إلى طائرات مسيّرة هجومية واستطلاعية، وصواريخ مضادة للسفن تشكل تهديداً مباشراً لحركة القطع البحرية في الخليج وبحر عُمان. هذه القدرات تجعل أي ضربة عسكرية ضد إيران محفوفة بالمخاطر وغير مضمونة النتائج.
في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة سياسة مزدوجة؛ فمن جهة، تطرح نفسها كراعٍ للسلام العالمي، وتعمل على الترويج لمبادرات دولية تحت مسمّيات مثل «منظمة السلام» أو ما شابه، وهي مبادرات يُشاع أنّ الانضمام إليها يتطلب مساهمات مالية ضخمة قد تصل إلى مليار دولار أو ملايين الدولارات من كل دولة راغبة في المشاركة. ويرى مراقبون أنّ هذه الطروحات تسهم في إلهاء الرأي العام العالمي وإشغال الدول بالمسارات الدبلوماسية والمالية.
ومن جهة أخرى، وعلى النقيض تماماً من خطاب السلام، تواصل واشنطن إعدادها العسكري، وتدفع بمزيد من حاملات الطائرات والقطع البحرية وناقلات الدعم إلى الشرق الأوسط، في خطوة تعكس استعداداً عملياً لسيناريو المواجهة.
وتشير المعلومات إلى أنّ ضربة عسكرية كانت قيد الدراسة ضد إيران، إلا أنّها أُجّلت بعد أن خلصت التقديرات الأميركية إلى أنّ الرد الإيراني سيكون واسعاً ومباشراً، وقد يستهدف القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة، مثل قاعدة العديد في قطر، والقواعد في سوريا، وعين الأسد في العراق، إضافة إلى مواقع في السعودية ودول أخرى. هذه القواعد، بحكم ثباتها الجغرافي، تُعد أهدافاً مكشوفة نسبياً في حال اندلاع حرب شاملة.و حيث انّ دول الخليج أكدّت أنّها لن تسمح باستخدام أراضيها أو قواعدها العسكرية منطلقاً لأي عمل عسكري يستهدف إيران، مشددةً على تمسّكها بسياسة تجنيب المنطقة ويلات المواجهة المباشرة.
لهذا السبب، فضّلت الولايات المتحدة تقليص اعتمادها على الوجود العسكري الثابت، والانتقال إلى تموضع بحري متحرك يمنحها مرونة أكبر ويقلل من حجم الخسائر المحتملة.
الأخطر في المشهد، وفق محللين، أنّ المواجهة المقبلة قد لا تبقى غير مباشرة. فالمعطيات تشير إلى أنّ أي حرب قادمة قد تشهد رداً إيرانياً مباشراً على إسرائيل، وهو ما يفسّر حالة الاستنفار والاستعداد العسكري المتزايد داخل إسرائيل، التي بدأت بدورها تعدّ العدّة لاحتمالات التصعيد، سواء على مستوى الدفاع الجوي أو الجبهة الداخلية.
في هذا السياق، تراقب الصين التطورات بقلق بالغ، إذ تدرك أنّ سقوط إيران أو إخراجها من المعادلة سيجعلها الهدف التالي في صراع النفوذ العالمي، فضلاً عن أنّ بكين مهددة بخسارة نحو 12٪ من صادراتها النفطية في حال تعطلت الإمدادات الإيرانية أو طرق الطاقة في المنطقة، ما يجعل استقرار إيران مسألة استراتيجية بالنسبة لها.
بين الاستعداد الإيراني، والتناقض الأميركي بين خطاب السلام وواقع الحشد العسكري، وحالة التأهب الإسرائيلي، يقف الشرق الأوسط على حافة انفجار حقيقي. خطأ واحد في الحسابات قد يشعل حرباً تتجاوز حدود المنطقة، وتعيد رسم خريطة الصراع الدولي لعقود مقبلة.




