بقلم رئيس التحرير | حسين عباس غزالة
تبدو المنطقة اليوم في لحظة شديدة الحساسية، لا يمكن توصيفها كحرب وشيكة ولا كاستقرار فعلي. نحن أمام مرحلة رمادية، يتراجع فيها الضجيج السياسي والإعلامي، بينما ترتفع مؤشرات الجهوزية العسكرية في العمق. في مثل هذه اللحظات، لا يكون الصمت علامة طمأنينة، بل مؤشراً على أن الحسابات انتقلت من العلن إلى الغرف المغلقة، وأن الخطأ في التقدير قد يكون أخطر من القرار نفسه.
ما يجري لا يُقرأ من خلال التصريحات، ولا من خلال التسريبات الإعلامية، بل من خلال تغيّر السلوك. ففي الأسابيع الماضية، كان المشهد واضحاً: تحركات عسكرية قابلة للرصد، نشاط جوي وبحري ظاهر، وتصعيد سياسي محسوب السقف. هذه المرحلة ليست استثناءً في الأزمات الكبرى، إذ تُستخدم عادة لإيصال رسالة الردع الأولى ورفع منسوب الضغط.
لكن ما يلفت في المرحلة الحالية ليس ما جرى، بل ما توقّف فجأة.
مع اكتمال مرحلة التحضير، انتقل المشهد إلى طور مختلف: خفض البصمة. تراجع ظهور طائرات الإسناد والإمداد عن أنظمة التتبع المدني، وعلى رأسها طائرات الإرضاع الجوي KC-135 وKC-46، إضافة إلى طائرات النقل الاستراتيجي C-17 وC-5. هذه الطائرات، التي تكون عادة الأكثر حضوراً في فترات الانتشار الروتيني، اختفت من المشهد المفتوح، لا لأنها لم تعد تعمل، بل لأنها باتت تعمل خارج المجال المرئي.
سياسياً، هذا التحول بالغ الدلالة. حين تُخفَّض الشفافية الطوعية، فهذا يعني أن المعلومة نفسها أصبحت جزءاً من الصراع، وأن من يدير المشهد لا يريد ترك مفاتيح القراءة بيد الرصد المفتوح أو التحليل الإعلامي. لا يعني ذلك أن قرار الحرب قد اتُّخذ، لكنه يعني أن كل الخيارات باتت موضوعة على الطاولة، وأن مرحلة الإشارات العامة انتهت.
في هذا السياق، يصبح صمت السماء مؤشراً سياسياً بقدر ما هو عسكري. فالنشاط الجوي لا يُقاس بعدد الطائرات التي تُرى، بل بكيفية إدارتها. الانتقال إلى أنماط تشغيل مغلقة يعكس خشية حقيقية من سوء التقدير، لا استعجالاً للمواجهة. إنه وضع يُدار على حافة التوتر، حيث أي قراءة خاطئة قد تؤدي إلى تدحرج غير محسوب.
ضمن هذا المشهد، لا تكون الطائرات الهجومية هي الأهم، بل طائرات القيادة والسيطرة التي تعمل في الخلفية: أواكس، RC-135، وجستارس. هذه ليست أدوات قتال مباشر، بل أدوات إدارة قرار. غيابها عن الرصد المدني لا يعني غيابها عن الأجواء، بل يشير إلى أن أي تطور محتمل، إذا حصل، سيكون مُداراً مركزياً وبحسابات دقيقة، لا كردّ فعل مرتجل.
أما ما أُطلق عليه توصيف “طائرة الضيف الأخير”، أي تحرك طائرة C-40 المخصصة لنقل كبار المسؤولين الأميركيين، فينبغي قراءته سياسياً لا عسكرياً. هذا النوع من التحركات لا يُستخدم لبدء الحروب، بل لإدارة لحظاتها الحرجة: تثبيت قنوات التواصل، نقل رسائل غير علنية، أو محاولة ضبط مسار تصعيد قد يخرج عن السيطرة. في هذا الإطار، لا تبدو الرحلة مقدمة لضربة بقدر ما تبدو جزءاً من إدارة الأزمة.
الرسائل بين واشنطن وطهران تُدار اليوم بلغة غير لفظية. الولايات المتحدة ترفع مستوى الجهوزية وتُظهر القدرة، لكنها في الوقت نفسه تخفّض الضجيج وتترك هامشاً للتراجع. في المقابل، تُظهر إيران استعدادها للرد، مع حرص واضح على عدم الظهور بموقع المبادِر. الطرفان يعلمان أن الضربة الأولى لا تحدد فقط مسار المواجهة، بل أيضاً شرعيتها السياسية.
في هذا المشهد، يلعب الوسطاء الإقليميون دوراً مختلفاً عن المعتاد. لا يسعون إلى حل الأزمة، بل إلى منع انفجارها. الأردن يتحرك كقناة اتصال هادئة، عُمان تؤدي دور الوسيط منخفض الضجيج، قطر تنشط في الترتيبات الإجرائية، فيما تضغط دول الخليج من زاوية الاستقرار الاقتصادي وأسواق الطاقة. هذه الأدوار لا تُنهي التوتر، لكنها تقلّل احتمالات الانزلاق غير المقصود.
سياسياً، يمكن تلخيص المسارات المحتملة بثلاثة اتجاهات. الأول، وهو الأرجح، يقوم على احتواء محسوب وتراجع تدريجي بعد استيعاب الرسائل المتبادلة. الثاني يتمثل في خطوة محدودة أو فعل غير مباشر لإعادة تثبيت الردع من دون فتح مواجهة واسعة. أما الثالث، وهو الأخطر، فيكمن في انزلاق غير مقصود نتيجة سوء تقدير أو قراءة خاطئة لإشارة دفاعية، وهو احتمال أقل ترجيحاً لكنه الأعلى كلفة.
ختاماً يبدو أن المنطقة لا تقف اليوم أمام قرار حرب بقدر ما تقف أمام اختبار أعصاب. القوة حاضرة، والخيارات جاهزة، لكن القرار مؤجَّل. الخطر الحقيقي لا يكمن في النوايا، بل في الخطأ. ففي لحظة يتراجع فيها الضجيج وتتكثف الجهوزية، يصبح سوء التقدير عاملاً حاسماً، وقد يكون أسرع من قدرة الجميع على احتوائه.




