تجددت الاشتباكات في مدينة حلب شمالي سورية بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية، لتعيد المدينة إلى واجهة المشهد الأمني بعد فترة من الهدوء النسبي. وتركزت المواجهات في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، وهي مناطق مأهولة بالسكان، ما ضاعف المخاوف الإنسانية وطرح أسئلة عميقة حول مستقبل الترتيبات السياسية والأمنية في المدينة.
سياق أمني هش
اندلعت الاشتباكات وسط استخدام أسلحة متوسطة وثقيلة، وتبادل الطرفان الاتهامات بشأن استهداف الأحياء السكنية. وأفادت الجهات الصحية المحلية بسقوط ضحايا مدنيين وإصابة آخرين، في مؤشر على الطبيعة الحساسة للقتال داخل مدينة مكتظة بالسكان. ويُظهر هذا التصعيد هشاشة الوضع الأمني في حلب، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع البعد الديموغرافي والاقتصادي.
اتفاق سابق لم يكتمل تنفيذه
يأتي التصعيد بعد نحو عشرة أشهر على إعلان اتفاق سياسي–أمني بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد «قسد» مظلوم عبدي في مارس/آذار الماضي. هدف الاتفاق، وفق ما أُعلن آنذاك، إلى إعادة تنظيم الوجود العسكري داخل أحياء حلب الشمالية وفتح مسار لدمج مقاتلي «قسد» ضمن مؤسسات الدولة.
غير أن التطبيق العملي لهذا الاتفاق واجه تعثرًا واضحًا. فالحكومة السورية تتهم «قسد» بعدم الالتزام بالانسحاب من الأحياء والاستمرار في استخدامها كنقاط انتشار عسكرية، بينما ترى «قسد» أن الإجراءات الحكومية تمثل ضغطًا أمنيًا وسياسيًا يفتقر إلى ضمانات حقيقية لحماية السكان المحليين.
الروايات المتقابلة وحدود التحقق
تتباين الروايات بشكل حاد بين الطرفين.
- الرواية الحكومية تؤكد أن العمليات العسكرية تستهدف “مواقع عسكرية” داخل الأحياء، وأن الهدف هو فرض الأمن ومنع استخدام المناطق السكنية كمنطلق لعمليات مسلحة.
- رواية «قسد» تحذر من أن القصف قد يؤدي إلى “مجازر” بحق المدنيين، وتتهم الجيش السوري بتمهيد عسكري واسع يهدد السكان.
وبين هاتين الروايتين، تبقى الحقيقة الأكثر ثباتًا أن القتال يجري في أحياء مأهولة، ما يجعل أي تصعيد إضافي محفوفًا بمخاطر إنسانية كبيرة، ويصعّب الفصل بين الأهداف العسكرية والفضاء المدني.
البعد الإنساني
الاشتباكات داخل مدينة بحجم حلب لا تُقاس فقط بنتائجها العسكرية، بل بتأثيرها المباشر على المدنيين. فقد أدت المواجهات إلى سقوط قتلى وجرحى، وإلى حالة خوف دفعت بعض السكان لمحاولة النزوح. كما أثارت مسألة الممرات الإنسانية جدلًا متبادلًا، في ظل اتهامات بمنع المدنيين من مغادرة مناطق القتال. هذه الوقائع تضع جميع الأطراف أمام التزامات واضحة بحماية المدنيين وفق قواعد القانون الدولي الإنساني.
ردود الفعل الخارجية
امتد صدى الأحداث إلى خارج سورية، حيث دانت إسرائيل ما وصفته باستهداف الأقلية الكردية في حلب، وصرّح وزير خارجيتها جدعون ساعر بأن ما يجري يتناقض مع الخطاب السياسي السوري الجديد. في المقابل، شددت الحكومة السورية على أن مسؤولية حماية جميع المواطنين، بمن فيهم الأكراد، تقع على عاتق الدولة وحدها، رافضة توصيف الإجراءات الأمنية على أنها استهداف عرقي.
هذه المواقف تعكس حساسية الملف الكردي في سورية، وكيف يمكن لأي تصعيد محلي أن يتحول سريعًا إلى مادة سجال إقليمي ودولي.
دلالات حلب في المعادلة السورية
تكتسب حلب أهمية خاصة كونها العاصمة الاقتصادية للبلاد ورمزًا لاستعادة الدولة السيطرة على المدن الكبرى. ومن هذا المنطلق، ترى دمشق أن أي وجود مسلح خارج سيطرتها داخل المدينة يمسّ بالسيادة. في المقابل، تنظر القوى الكردية إلى بعض مناطق حلب باعتبارها امتدادًا لتوازنات ما بعد الحرب وضمانة أمنية لسكانها في ظل تاريخ طويل من انعدام الثقة.
تكشف الاشتباكات في أحياء حلب الشمالية عن عمق التعقيدات السياسية والأمنية في سورية ما بعد الحرب. فهي ليست مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تعبير عن فشل تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات ميدانية مستقرة. وبين مطالب السيادة وضمانات الحماية، يبقى المدنيون الطرف الأكثر تضررًا. إن أي حل مستدام يمر حتمًا عبر وقف التصعيد، وتفعيل آليات مراقبة محايدة، والعودة إلى مسار تفاوضي واضح المعالم يوازن بين متطلبات الدولة وحقوق المكونات المحلية، ويضع حماية المدنيين في صدارة الأولويات.




