في دولة تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، تبدو المفارقة صارخة: ثروة هائلة تحت الأرض، وإنتاج متواضع فوقها. هذه المفارقة تختزل واقع قطاع الطاقة في فنزويلا، ويقف خام ميري 16 في مركزها تمامًا، بوصفه المصدر الرئيسي للإنتاج والصادرات، وفي الوقت نفسه أحد أكثر الخامات النفطية تعقيدًا من الناحية التقنية والاقتصادية.
نفط وفير… لكن ثقيل
خام ميري 16 هو نفط ثقيل حامضي يُنتج أساسًا من حزام أورينوكو النفطي، المنطقة التي تُعد خزّان فنزويلا الاستراتيجي للمستقبل. وعلى عكس الخامات الخفيفة التي تتدفق بسهولة وتُكرَّر بكلفة أقل، يتطلب ميري عمليات مزج بمواد مخفِّفة قبل نقله، وتجهيزات تكرير متقدمة بعد وصوله إلى المصافي.
هذه الخصائص جعلت من ميري خامًا “متخصصًا” لا يناسب جميع المصافي، بل فئة محدودة فقط قادرة على التعامل مع نفط عالي اللزوجة ومرتفع الكبريت.
معادلة فنية معقّدة
تبلغ درجة كثافة خام ميري نحو 16 درجة على مقياس الكثافة النفطية، ما يضعه بوضوح في خانة الخامات الثقيلة. ويحتوي على نسبة كبريت تقارب 2.7%، وهو مستوى يفرض استثمارات إضافية داخل المصافي لمعالجة الانبعاثات وتحسين جودة المشتقات.
اقتصاديًا، تعني هذه المعادلة أمرين متلازمين:
خصمًا سعريًا دائمًا مقارنة بالخامات الخفيفة، وحاجةً إلى مصافٍ ذات وحدات تحويل عميقة قادرة على تعويض هذا الخصم عبر تعظيم إنتاج الديزل والبنزين والوقود الصناعي.
لماذا يتمسّك به السوق؟
رغم كل ما سبق، لا يزال خام ميري يحافظ على مكانته في السوق الدولية. السبب لا يعود إلى سهولته، بل إلى ندرة البدائل. فعدد كبير من المصافي – خاصة تلك التي استثمرت مليارات الدولارات في تجهيزات متقدمة – صُمم أصلًا للعمل على الخامات الثقيلة، ويعتمد على خامات مثل ميري لتحقيق هوامش ربح مستقرة.
لهذا السبب، أُدرج الخام منذ عام 2009 ضمن سلة خامات منظمة الدول المصدّرة للنفط، ليصبح مرجعًا أساسيًا لتسعير النفط الفنزويلي في الأسواق العالمية.
خريطة المصافي… العامل الحاسم
لا ينتقل خام ميري بحرية إلى أي سوق، بل إلى أسواق بعينها:
- ساحل الخليج الأميركي، حيث بُنيت مصافٍ تاريخيًا لمعالجة الخامات الثقيلة القادمة من أميركا اللاتينية.
- الصين، التي تمتلك مصافي قادرة على استيعاب نفوط عالية الكبريت في إطار سعيها لتنويع الإمدادات.
- الهند، التي طوّرت مصافي ضخمة بقدرات تحويل عميقة جعلتها من أبرز مستهلكي النفط الثقيل.
في هذا السياق، لا تحدد الجغرافيا وحدها مسار خام ميري، بل تحدده بالأساس بنية التكرير العالمية.
العقوبات… الحلقة الأضعف
أكبر التحديات التي تواجه خام ميري اليوم ليست جيولوجية، بل سياسية واقتصادية. فالعقوبات الأميركية حدّت من قدرة فنزويلا على:
- استيراد المواد المخفِّفة اللازمة لنقل النفط.
- جذب الاستثمارات الأجنبية لتحديث الحقول والمصافي.
- الوصول السلس إلى الأسواق المالية وشركات الشحن والتأمين.
وبغياب هذه العناصر، ارتفعت كلفة الإنتاج، وتراجعت الكفاءة التشغيلية، وانخفض الإنتاج الفعلي إلى مستويات بعيدة عن الطاقة الكامنة.
نظرة مستقبلية
يمثل خام ميري 16 مستقبل النفط الفنزويلي بقدر ما يمثل تحدّيه الأكبر. فحزام أورينوكو قادر، نظريًا، على إنتاج كميات تفوق ما تنتجه الحقول التقليدية المتقادمة، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يتطلب استثمارات طويلة الأجل، واستقرارًا سياسيًا، وعودة تدريجية للتكنولوجيا الحديثة.
حتى ذلك الحين، سيبقى خام ميري رمزًا لثروة ثقيلة الوزن، لا تُقاس قيمتها بحجم الاحتياطيات وحده، بل بقدرة الدولة والأسواق العالمية على التعامل مع تعقيداتها.



