لم تعد قضية ما عُرف إعلاميًا بـ«الأمير الوهمي – أبو عمر» مجرد حادثة احتيال فردي أو فضيحة أمنية عابرة، بل تحوّلت إلى مرآة كاشفة لخللٍ عميق في بنية النظام السياسي اللبناني، حيث تتداخل السياسة بالدين، وتُستبدل المؤسسات بالوسطاء، وتُدار العلاقات الخارجية عبر قنوات موازية تفتقر إلى أي مشروعية رسمية أو مساءلة.
احتيال شخصي أم عرضٌ لنظام مريض؟
بحسب ما أوردته تقارير إعلامية موثوقة، فإن شخصًا لبنانيًا انتحل صفة «أمير سعودي» مقرّب من دوائر القرار في المملكة، وتمكّن على مدى سنوات من تسويق نفسه كـ«بوابة نفوذ» تتيح الوصول إلى دعم سياسي ومالي خارجي، مقابل مبالغ مالية أو التزامات سياسية. وقد شملت وعوده تسهيلات انتخابية، وظائف رسمية، وتأثيرًا في استحقاقات دستورية حساسة، من بينها الاستشارات النيابية لتسمية رئيس الحكومة.
الخطير في القضية ليس جرأة الادعاء بحد ذاتها، بل نجاحها. فنجاح الاحتيال لا يُقاس بذكاء المحتال فقط، بل بمدى قابلية البيئة السياسية لتصديق الوهم، والبحث عن «ختم خارجي» يمنح شرعية مفقودة داخليًا. وهذا ما يجعل القضية أقرب إلى تشخيصٍ سياسي منه إلى ملف جنائي تقليدي.
الدين كـ«ضمانة»: مأزق أخلاقي مزدوج
تُظهر التحقيقات أن رجل دين بارزًا أدّى دور حلقة الوصل بين «الأمير الوهمي» وعدد من السياسيين، ما أضفى على الرواية طابعًا من «الثقة» والشرعية المعنوية. هنا، لا تكمن المشكلة في خطأ فرد أو انزلاق شخصي، بل في نظام يسمح بتحويل الرمزية الدينية إلى أداة تسويق سياسي، وإلى «ضمانة» تُستعمل بدل الضمانات المؤسسية.
هذا التداخل يضع المؤسستين السياسية والدينية أمام مأزق أخلاقي مزدوج: سياسة تبحث عن نفوذ بأي ثمن، ودين يُستَخدم كغطاء لعبور الصفقات، لا كمرجعية أخلاقية رادعة. وهو ما يضرب ثقة المواطنين بكلتا المؤسستين معًا.
وهم العلاقة الخارجية… وغياب الدولة
تعكس هذه القضية خللًا أعمق في إدارة لبنان لعلاقاته الخارجية، وخصوصًا مع دول مؤثرة في توازناته الداخلية. فالعلاقات مع دولة بحجم المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، لا يمكن أن تُدار عبر وسطاء غامضين، أو ادعاءات شخصية، أو قنوات غير رسمية، بل عبر مؤسسات الدولة وحدها.
إلا أن الواقع اللبناني يُظهر أن جزءًا من الطبقة السياسية لا يزال يتعامل مع الخارج كـ«رافعة نفوذ شخصي» لا كعلاقة دولة بدولة، ويبحث عن اختصارات سياسية بدل العمل على بناء شرعية داخلية قائمة على البرامج، والمساءلة، وثقة الناس.
القضاء وحده لا يكفي
صحيح أن تحرّك القضاء وتوقيف المتورطين خطوة ضرورية، لكن الخشية تبقى، كما في ملفات كثيرة سابقة، من اختزال القضية بـ«كبش محرقة» أو تسوية هادئة، تعيد إنتاج المنظومة نفسها بوسيط جديد، ولهجة مختلفة، واسم مختلف.
فالعدالة القضائية، مهما كانت حازمة، لا تكفي من دون محاسبة سياسية وأخلاقية أوسع، تُعيد طرح الأسئلة الجوهرية:
من سمح؟
من صدّق؟
ولماذا كان الوهم قابلًا للتصديق أصلًا؟
الدرس الأعمق: إعادة تعريف الشرعية
تكشف قضية «الأمير الوهمي» أن المشكلة ليست في الخارج، بل في الداخل الذي قبِل بمنطق الاستقواء، وطبّعه حتى صار بديهيًا. فالشرعية لا تُستمد من مكالمة هاتفية، ولا من ادّعاء قرب من عاصمة مؤثرة، بل من مؤسسات تعمل، وبرامج تُقنع، ومحاسبة لا تُعطَّل.
الأكيد أن هذه القضية لا تُحرج من انطلت عليه الخدعة فحسب، بل تُحرج النظام السياسي اللبناني بأكمله. فـ«أبو عمر» ليس جوهر القصة، بل تفصيل فيها. أما الجوهر، فهو طبقة سياسية اعتادت تسويق النفوذ بدل السياسة، والوعود بدل البرامج، ثم تُبدي دهشتها كلما انكشف المستور.
وإذا لم تُواجَه هذه الحقيقة بجرأة، فلن تكون هذه الفضيحة الأخيرة، بل فصلًا جديدًا في كتاب طويل من الأوهام المتكررة.




