ما تعرّضت له الفتاة في البصرة ليلة رأس السنة لا يمكن اختزاله في توصيفٍ من قبيل «حادثة عابرة». فمن منظور نفسي، يُعدّ التحرّش حدثاً صادماً يمسّ الإحساس الأساسي بالأمان والسيطرة على الجسد، وهما ركيزتان جوهريتان من ركائز الصحة النفسية.
في لحظة التحرّش، يدخل الدماغ في حالة إنذار قصوى، حيث يتفعّل الجهاز العصبي السمبثاوي، فتتسارع أو تتجمّد الاستجابات. قد يظهر ذلك على شكل صمت، أو شلل، أو ارتباك، أو عدم القدرة على الصراخ أو المقاومة. وهنا من المهم التأكيد أن عدم المقاومة لا يعني الرضا، بل هو استجابة عصبية تلقائية تُعرف بـ «استجابة التجمّد» (Freeze Response)، وهي شائعة جداً في الصدمات الجنسية.
بعد الحدث، لا تنتهي التجربة عند حدود الجسد. فالآثار النفسية قد تمتد لتشمل:
- قلقاً مفرطاً وخوفاً من الأماكن العامة
- شعوراً دائماً بعدم الأمان
- اضطرابات في النوم أو كوابيس
- اجترار الحدث والشعور بالذنب أو الخجل
- فقدان الثقة بالآخرين
وفي بعض الحالات، قد تتطوّر هذه الأعراض إلى اضطراب ما بعد الصدمة، إذا لم يتوفّر الاحتواء والدعم المناسبان.
الأذى لا يتوقّف عند الفعل ذاته، بل يتضاعف حين تُقابل الضحية بالتشكيك أو اللوم. فالأسئلة التي تبدأ بـ «لماذا» لا تساعد على الشفاء، بل تعمّق الجرح، وتُعيد إنتاج الصدمة فيما يُعرف نفسياً بـ «إعادة الصدمة» (Re-traumatization).
ومن خبرة العلاج النفسي، نعرف أن أول ما تحتاجه الضحية هو:
- الشعور بالأمان
- التصديق دون تشكيك
- الاعتراف الواضح بأن ما حدث لم يكن خطأها
هذه العناصر ليست مجاملات عاطفية، بل شروط أساسية لبدء مسار التعافي.
وعلى المستوى المجتمعي، يعكس التحرّش خللاً في التربية النفسية والانفعالية، وفي فهم الحدود الجسدية، وفي تطبيع أشكال العنف الصامت. فالوقاية النفسية لا تبدأ بعد وقوع الحادثة، بل قبلها، في تعليم الأطفال احترام الجسد، وفي كسر الصمت، وفي إدانة السلوك المؤذي لا تبريره.
ما حدث في البصرة ليس قصة فتاة واحدة، بل اختبار لوعينا الجمعي.
إما أن نكون جزءاً من دائرة الأذى بالصمت واللوم،
أو جزءاً من التعافي بالتصديق، والحماية، والمحاسبة.
ومن منظور نفسي بحت،
العدالة ليست قانونية فقط…
بل نفسية أيضاً.




