عاد المشهد اليمني خلال الأيام الأخيرة إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي، على وقع تصعيد سياسي وعسكري مفاجئ، تمركزت ملامحه الأساسية في محافظة حضرموت شرقي البلاد، وأعاد فتح ملف القضية الجنوبية بكل ما يحمله من تعقيدات تاريخية وتشابكات إقليمية.
فبين تحركات ميدانية متسارعة، ودعوات خليجية للتهدئة والحوار، يبرز تساؤل رئيسي: ما الذي يحدث في اليمن؟ وما أسباب هذا الانفجار في هذا التوقيت تحديدًا؟
حضرموت… شرارة التصعيد
تمثل حضرموت، أكبر محافظات اليمن مساحة وأكثرها ثراءً بالموارد الطبيعية، نقطة ارتكاز استراتيجية في الصراع القائم. وخلال الأيام الماضية، شهدت المحافظة تحولات ميدانية مهمة بعد إعلان القوات الحكومية، عبر تشكيلات درع الوطن، تنفيذ عمليات عسكرية لاستلام المعسكرات وتأمين المرافق الحيوية، بما في ذلك مطار سيئون الدولي ومقار عسكرية وسيادية في مدينة المكلا.
في المقابل، جاءت هذه التحركات بعد تحركات سابقة نفذتها قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، والتي أعلنت في وقت سابق سيطرتها على محافظتي حضرموت والمهرة، في خطوة أثارت توترًا واسعًا داخليًا وإقليميًا.
وتشير التطورات الأخيرة إلى تغيّر واضح في خريطة السيطرة داخل حضرموت، مع حديث مراقبين عن اقتراب الحكومة اليمنية من بسط نفوذها الكامل على المحافظة، ما زاد من حدة الاستقطاب بين الأطراف المتصارعة.
إعلان سياسي يزيد التوتر
على الصعيد السياسي، صعّد المجلس الانتقالي الجنوبي من خطابه بعد إعلان رئيسه عيدروس الزبيدي الدخول في “مرحلة انتقالية” تمتد لعامين، داعيًا المجتمع الدولي إلى رعاية حوار جنوبي–شمالي، وإجراء استفتاء على حق تقرير المصير.
هذا الإعلان قوبل بتحفظات واسعة من أطراف يمنية وإقليمية، اعتبرته خطوة أحادية من شأنها تعميق الانقسام وتهديد فرص التسوية السياسية، في بلد يعاني أصلًا من تشظٍ حاد في السلطة ومراكز القرار.
تحرك خليجي لاحتواء الأزمة
في محاولة لاحتواء التصعيد، دعت السعودية إلى عقد مؤتمر حوار جنوبي شامل في العاصمة الرياض، استجابة لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، وبهدف “بلورة تصور شامل للحلول العادلة للقضية الجنوبية”.
وحظيت الدعوة السعودية بترحيب واسع من دول الخليج:
قطر أكدت دعمها للحوار الوطني، محذرة من خطورة الإجراءات الأحادية التي قد تقود إلى الفوضى.
البحرين والكويت شددتا على أهمية التهدئة والحلول الدبلوماسية.
الإمارات دعت بدورها إلى ضبط النفس وتغليب الحوار، معربة عن قلقها من التصعيد القائم.
هذا الإجماع الخليجي يعكس خشية مشتركة من انزلاق الجنوب اليمني إلى صراع مفتوح قد يقوض ما تبقى من استقرار هش في البلاد.
خريطة يمن ممزق
يعكس التصعيد الأخير واقع الانقسام العميق في اليمن، حيث تتقاسم السيطرة أربع قوى رئيسية:
الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وتسيطر على أجزاء واسعة من حضرموت ومأرب وتعز.
جماعة الحوثي، التي تهيمن على العاصمة صنعاء ومحافظات شمالية وغربية عدة.
المجلس الانتقالي الجنوبي، المسيطر على عدن ومحافظات جنوبية أبرزها شبوة وأبين وسقطرى.
قوات المقاومة الوطنية، المتمركزة في الساحل الغربي قرب مضيق باب المندب.
هذا التوزع المعقد يجعل أي تصعيد محلي قابلًا للتحول إلى أزمة أوسع، في ظل غياب تسوية سياسية شاملة.
لماذا الآن؟
يرى محللون أن الانفجار الأخير هو نتيجة تراكمات طويلة، أبرزها:
بقاء القضية الجنوبية دون حل جذري منذ وحدة عام 1990.
التنافس على الموارد النفطية والمواقع الاستراتيجية في المحافظات الشرقية.
ضعف مؤسسات الدولة المركزية وتعدد القوى المسلحة.
تباين أجندات القوى الإقليمية المنخرطة في الملف اليمني.
مستقبل مفتوح على الاحتمالات
بين الدعوات للحوار ومخاطر الانقسام، يقف اليمن أمام مفترق طرق جديد. فإما أن ينجح المسار السياسي، برعاية إقليمية، في تحويل التصعيد إلى فرصة لإعادة فتح ملف التسوية الشاملة، أو ينزلق البلد إلى جولة جديدة من الصراع، تعمّق أزمته الإنسانية والسياسية المستمرة منذ أكثر من عقد.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى حضرموت اليوم عنوانًا لصراع أكبر، يتجاوز حدود المحافظة، ليعكس أزمة وطن لم تُحسم خياراته بعد.




