أثار الإعلان الأميركي عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عاصفة من التساؤلات القانونية والسياسية، تجاوزت حدود فنزويلا لتضع النظام الدولي نفسه أمام اختبار خطير. فبعيدًا عن السرديات السياسية، تبرز إشكالية جوهرية: هل يتوافق هذا النوع من العمليات مع قواعد القانون الدولي؟
سيادة الدول تحت المجهر
يُعدّ مبدأ سيادة الدول أحد الأعمدة الأساسية للنظام الدولي المعاصر، وهو مبدأ منصوص عليه صراحة في ميثاق الأمم المتحدة، الذي يحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي.
وبناءً على ذلك، فإن تنفيذ عملية عسكرية داخل أراضي دولة ذات سيادة، دون موافقتها أو دون تفويض دولي صريح، يُعد من حيث المبدأ القانوني انتهاكًا مباشرًا لسيادتها، بغض النظر عن طبيعة الهدف أو دقة التنفيذ.
حصانة رؤساء الدول
تُثير القضية أيضًا مسألة الحصانة الشخصية لرؤساء الدول، وهي قاعدة راسخة في القانون الدولي العرفي. فالرئيس أثناء ولايته يتمتع بحماية قانونية تمنع توقيفه أو محاكمته من قبل دولة أجنبية، باستثناء حالات محدودة جدًا، مثل صدور مذكرة توقيف من محكمة دولية مختصة أو تنازل الدولة المعنية عن تلك الحصانة.
وفي الحالة الراهنة، لا تتوافر وفق المعلومات المنشورة أي مؤشرات على وجود تفويض قضائي دولي يبرر اعتقال رئيس دولة ما يزال في منصبه، ما يضع العملية، قانونيًا، في موضع شديد الإشكال.
الأمن القومي أم تجاوز القانون؟
لطالما برّرت الولايات المتحدة تدخلاتها الخارجية باعتبارات تتعلق بالأمن القومي أو مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود. غير أن هذه الذرائع، وفق فقه القانون الدولي، لا تشكل أساسًا قانونيًا كافيًا لاستخدام القوة داخل دولة أخرى، ما لم يكن هناك هجوم مسلح وشيك يندرج ضمن حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وبالتالي، فإن تبرير العملية باعتبارات أمنية أو استخبارية يظل في الإطار السياسي، لا القانوني.
الدور الاستخباري والمسؤولية الدولية
تشير التقارير إلى دور محوري لـ وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في جمع المعلومات والتنسيق. وفي حال ثبوت تورط أجهزة دولة في التخطيط أو التنفيذ لعملية تُعد غير مشروعة دوليًا، فإن ذلك يفتح الباب لمسؤولية الدولة المعنية عن فعل دولي غير مشروع، وفق قواعد مسؤولية الدول المعتمدة دوليًا.
تداعيات تتجاوز فنزويلا
لا تقتصر خطورة هذه القضية على فنزويلا وحدها، بل تمتد إلى النظام الدولي ككل. إذ إن القبول بمثل هذه العمليات قد يفتح الباب أمام شرعنة التدخلات القسرية، ويقوض مبدأ سيادة الدول، ويعيد العلاقات الدولية إلى منطق القوة بدلًا من منطق القانون.
بين الواقع السياسي والنظام القانوني
من الناحية العملية، قد تحول موازين القوى داخل مجلس الأمن دون أي مساءلة دولية فعلية، خاصة في ظل النفوذ الأميركي. إلا أن غياب المحاسبة لا يعني غياب الخرق القانوني، ولا يلغي الأثر الخطير لمثل هذه السوابق على استقرار النظام الدولي.
من منظور قانوني بحت، وإذا ما ثبتت الوقائع كما نُشرت، فإن عملية اعتقال مادورو تمثل إشكالية قانونية جسيمة، تجمع بين انتهاك السيادة، وتجاوز الحصانة، واستخدام القوة خارج إطار الشرعية الدولية. وهي سابقة تفرض على المجتمع الدولي إعادة طرح سؤال جوهري: هل ما يزال القانون الدولي قادرًا على تقييد القوة، أم أن ميزان السياسة بات هو الحكم النهائي؟




