في كل مرة تُستَخدم فيها القوة باسم القيم، يعود السؤال الجوهري إلى الواجهة: هل نحن أمام دفاع عن الديمقراطية أم أمام ممارسة صريحة للهيمنة؟ ما جرى في فنزويلا، مع إعلان واشنطن تنفيذ “عملية عسكرية استثنائية” واختطاف رئيس دولة ذات سيادة، أعاد إلى الذاكرة تجربة لم تُمحَ من الوعي السياسي العالمي: العراق عام 2003.
الولايات المتحدة، التي لطالما قدّمت نفسها حامية للنظام الدولي، تقف اليوم في موضع مساءلة غير مسبوقة، ليس فقط من خصومها، بل من داخل مؤسساتها السياسية نفسها.
فنزويلا: حين تسقط اللغة وتبقى القوة
دعوة مندوب فنزويلا لدى الأمم المتحدة إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن لإدانة الضربات الأميركية لم تكن إجراءً بروتوكوليًا، بل محاولة للدفاع عن مفهوم السيادة في عالم بات يتعامل معها كعبء. تصريحات وزير الخارجية الفنزويلي حول خروج الشعب إلى الشوارع جاءت في سياق إدراك واضح بأن ما جرى تجاوز كل الخطوط: قصف مباشر، تعطيل شامل للقدرات العسكرية، واختطاف رئيس الدولة.
في المقابل، لم يُخفِ دونالد ترامب منطقه. وصف العملية بأنها “استعراض لقوة أقوى دولة في العالم”، وأعلن أن واشنطن ستدير فنزويلا مؤقتًا وتشرف على نقل السلطة، وأن شركات النفط الأميركية ستدخل البلاد. هنا لم تعد الديمقراطية ذريعة مقنّعة، بل استُبدلت بلغة السيطرة الصريحة.
العراق 2003: التجربة التي كان يُفترض أن تمنع التكرار
حين غزت الولايات المتحدة العراق في عهد جورج دبليو بوش، رُفعت شعارات أسلحة الدمار الشامل ومحاربة الإرهاب وبناء الديمقراطية. أُسقط نظام صدام حسين سريعًا، لكن ما تلا ذلك كشف خطأ الرهان: تفكيك الدولة، انهيار المؤسسات، صراعات داخلية، وتحويل البلاد إلى ساحة صراع مفتوح.
العراق أثبت أن إسقاط النظام لا يعني بناء الدولة، وأن القوة العسكرية مهما بلغت عاجزة عن فرض شرعية سياسية من الخارج. كان يفترض أن تكون تلك التجربة حدًا فاصلًا يمنع تكرار النموذج.
هل فنزويلا نسخة جديدة من العراق؟
من حيث الشكل، تختلف التجربتان. في العراق كان احتلال شامل وإدارة مباشرة ومشروع إعادة هندسة دولة. في فنزويلا نحن أمام ضربة خاطفة بلا احتلال طويل ولا خطاب إعادة بناء.
لكن من حيث الجوهر، التشابه مقلق:
تبرير التدخل بالقيم الأخلاقية،
تجاوز القانون الدولي،
فرض قيادة سياسية “مقبولة أميركيًا”،
ربط التدخل بالموارد، ولا سيما النفط.
الاختلاف أن واشنطن اليوم لم تعد تعد ببناء نموذج ديمقراطي، بل تكتفي بإدارة النفوذ ومنع ما تعتبره تهديدًا لمصالحها.
النفط والديمقراطية: العلاقة التي لا تُقال
أصوات من داخل الولايات المتحدة كسرت الصمت. رأت النائبة الجمهورية مارغوري تايلور غرين أن العملية لا يمكن تبريرها بمكافحة المخدرات، معتبرة أن الهدف الحقيقي هو السيطرة على النفط الفنزويلي وضمان استقرار الإمدادات لصراعات مقبلة. وفي المعسكر الديمقراطي، وصف السيناتور كريس ميرفي العملية بأنها حرب غير شرعية تخدم غرور الرئيس ومصالح داعميه في قطاع النفط ولا تمتّ بصلة لأمن الأميركيين.
هذا الانقسام الداخلي يكشف أن الديمقراطية الأميركية نفسها في مأزق حين تتحوّل السياسة الخارجية إلى أداة اقتصادية وأمنية بلا ضوابط.
عقيدة مونرو: عودة الإمبراطورية
استحضار ترامب لعقيدة مونرو التي أعلنها جيمس مونرو عام 1823 ليس تفصيلًا تاريخيًا، بل إعلان صريح بأن أميركا اللاتينية ما زالت، في نظر واشنطن، مجال نفوذ حصريًا، وأن السيادة مفهوم نسبي يخضع لموازين القوة.
ما جرى في فنزويلا، كما ما جرى في العراق قبل أكثر من عقدين، يطرح سؤالًا لا يمكن الهروب منه: هل الديمقراطية التي تُرفع شعارًا قيمة كونية أم أداة تُستخدم حين تخدم المصالح؟
إذا كانت الدولة التي تطالب بالديمقراطية تختطف رؤساء دول، وتدير عواصم بالقوة، وتعلن الهيمنة بلا مواربة، فالمشكلة ليست “سوء تطبيق”، بل تناقض بنيوي بين الخطاب والممارسة.
العراق كان إنذارًا. فنزويلا قد تكون التكرار بصيغة مختلفة. وفي الحالتين، الخاسر الأكبر ليس نظامًا سقط أو رئيسًا أُقصي، بل فكرة النظام الدولي نفسها ومعها وهم أن القوة يمكن أن تُنتج عدلًا أو ديمقراطية.




