شهدت السينما السعودية خلال الأعوام القليلة الماضية قفزة إنتاجية واضحة، تزامنت مع انطلاق دورات مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، وما رافقها من اهتمام متزايد بإنتاجات محلية تسعى إلى تثبيت حضورها فنيًا وجماهيريًا. هذا المناخ شجّع منصّات عالمية، وفي مقدّمها Netflix، على الدخول بقوة إلى السوق السعودية، ليس فقط عبر العرض، بل من خلال رعاية مشاريع إنتاجية والإشراف المباشر عليها. ومن بين هذه المشاريع يبرز فيلم رهين للمخرج أمين لخنش، عن سيناريو شارك في كتابته أحمد عامر وعبد العزيز عرابي.
الفيلم عُرض للمرة الأولى في إحدى دورات مهرجان البحر الأحمر، قبل أن يُطرح على الشاشات السعودية المحلية في 11 كانون الأول/ديسمبر، بوصفه عملًا ينتمي إلى سينما التشويق الاجتماعي ذات النفس التجاري، مع محاولة واضحة للحفاظ على حدّ أدنى من العمق الدرامي.
حرفة منضبطة… وبصمة منصّة واضحة
منذ المشاهد الأولى، يتّضح أن «رهين» يخضع لرقابة فنية دقيقة، تمتد من ضبط السيناريو إلى خيارات التصوير والمونتاج، وهي رقابة تولّتها نتفليكس عبر مندوبين مختصين، يشرفون على الأعمال التي تدعم إنتاجها عالميًا. هذا الانضباط الحِرفي يمنح الفيلم إيقاعًا متماسكًا، ويجنّبه الترهل أو الفوضى البصرية، لكنه في المقابل يضعه ضمن قالب مألوف لمن اعتادوا على إنتاجات المنصّات: سرد نظيف، تصاعد محسوب، ونهاية مغلقة.
قصة الفشل بوصفه محرّكًا دراميًا
يرتكز الفيلم على شخصية سطّام، الشاب الذي فشل في بناء مسار مهني أو شخصي، وتراكمت عليه ديون وصلت إلى 250 ألف ريال. هذا الفشل لا يُقدَّم بوصفه حالة فردية معزولة، بل كنتاج صراع داخلي بين صورة ذاتية متضخّمة وإمكانات محدودة، يتجلّى خصوصًا في علاقته بوالده سليمان، التاجر الميسور الذي يرفض دعمه ماليًا، أو حتى تشغيله في شركته، معتبرًا أن ابنه يفتقر إلى الجدية والاستحقاق.
هنا ينجح السيناريو في بناء توتر نفسي مقنع، يدفع سطّام إلى اتخاذ قرار بالغ الخطورة: اختطاف والده بمساعدة مجموعة من أصدقائه، بعد تمويه هوياتهم، في محاولة يائسة لتأمين المال.
حبكة ذكية… وانعطافة ساخرة
تنفَّذ عملية الاختطاف كما خُطِّط لها، ويُطلب مبلغ فدية قدره 300 ألف ريال. غير أن خطأ بسيطًا – أو ربما رغبة غير واعية في المبالغة – يحوّل المبلغ إلى ثلاثة ملايين ريال بعد إضافة أصفار في رسالة هاتفية، ما يفتح الباب أمام تصعيد درامي غير متوقّع.
تضطر العائلة، ومن بينهم سطّام نفسه، إلى البحث عن الرقم السري لخزنة الشركة. تنجح المحاولة، لكن المفارقة تأتي لاحقًا حين يتبيّن أن المبلغ المسلَّم للخاطفين لا يتجاوز ألفي ريال، في وقت يكون فيه سليمان قد تمكّن من الهرب بنفسه، واستقل سيارة أجرة أعادته بهدوء إلى منزله.
هذه المفارقة تشكّل ذروة الفيلم، حيث تنقلب معادلة القوة، ويُسقط النص وهم المال والسطوة معًا، كاشفًا هشاشة المخطط منذ أساسه.
الشخصيات الثانوية… دلالة صامتة
واحد من أجمل مشاهد الفيلم يأتي في الختام، مع الموظف القديم لدى سليمان، الذي نراه على متن طائرة عائدًا إلى بلده سعيدًا، بعد أن قبض تعويض نهاية خدمته مضاعفًا. جملة سليمان السابقة: «ما عندي كاش»، تتحوّل هنا إلى مفتاح رمزي يختصر علاقة المال بالسلطة، وبالوفاء، وبالقيمة الحقيقية للعمل.
قراءة فنية
لا يغامر «رهين» كثيرًا على مستوى اللغة السينمائية، لكنه ينجح في تقديم عمل متماسك، واضح الهوية، ومدروس الإيقاع. قوته تكمن في الحرفة، وفي بناء تشويق نظيف، وفي التقاطه جانبًا اجتماعيًا يتعلّق بالفشل، والطموح الزائف، والعلاقة المعقّدة بين الآباء والأبناء في سياق اقتصادي متحوّل.
أما ضعفه، فيكمن في التزامه الصارم بقالب المنصّة، ما يحدّ من جرأته الفنية، ويجعله أقرب إلى فيلم «محسوب بعناية» أكثر منه تجربة سينمائية مقلقة أو مفتوحة على احتمالات متعددة.
خلاصة نقدية
يمثّل «رهين» نموذجًا واضحًا للمرحلة الراهنة في السينما السعودية: مرحلة انتقالية، تتوازن فيها الرغبة في بناء صناعة محترفة مع الحاجة إلى صوت فني أكثر تحررًا. هو فيلم ناجح في شروطه الإنتاجية، ويؤكد أن الشراكة مع المنصّات العالمية قادرة على رفع مستوى الصنعة، لكن التحدي الحقيقي سيبقى في الذهاب أبعد من الإتقان، نحو مغامرة سينمائية تترك أثرًا أعمق وأبقى.




