في زمنٍ تتآكل فيه الذاكرة اللبنانية تحت وطأة التكرار القاسي للحروب، تخرج رواية «وتحرّر الحلم» لا بوصفها حكاية متخيّلة، بل كفعل شهادة. شهادة تكتبها الأستاذة ليليان حمزة بوعيٍ وطنيٍّ هادئ، وبحسٍّ إنساني لا يستعير الألم، بل يعرفه عن قرب.
ليليان حمزة المترجمة المحلفة والمحاضرة الجامعية، ابنة بلدة عبيه، لا تأتي إلى الأدب من برجٍ عاجي. مسيرتها المهنية والإنسانية، التي عبرت فيها المحاكم والمؤسسات الرسمية وملفات التهجير والعمل الاجتماعي، جعلت منها شاهدة على وجع الناس قبل أن تكون كاتبة عنه. لذلك، حين تكتب الحرب، لا تفعل ذلك من موقع الراوي البعيد، بل من موقع من لمس أثرها في تفاصيل البشر، في نظراتهم، في صمتهم، وفي محاولاتهم المستمرة للتماسك.
في روايتها الأولى، تختار ليليان أن تمنح بطلتها، ريحان، سيرة تشبه سيرة وطن. طفولة في جبل لبنان، في بيئة محافظة، تتفتّح على مشاهد الاحتلال الإسرائيلي والتهجير القسري، ثم نضجٌ يُفاجَأ بتكرار المأساة ذاتها في الجنوب اللبناني خلال العدوان الإسرائيلي الأخير. هذا التوازي الزمني ليس مصادفة سردية، بل موقف واضح: إن اللبناني هو من يدفع الثمن في كل مرة.
إحساس ليليان حمزة في الرواية ليس انفعالًا عابرًا، بل وعيًا متزنًا بالألم. هي لا تكتب لتدين، ولا لتبكي، بل لتفهم. وطنيتها لا تأتي على شكل شعارات، بل على شكل وفاء للذاكرة، وحماية للإنسان من النسيان. في نصّها، الأرض ليست خريطة، بل ذاكرة مغتصبة، والجسد ليس رقمًا، بل ساحة صراع بين الانكسار والكرامة.
في أحد أكثر مقاطع الرواية كثافة، تقول:
«أطلق القدر ما في جسدها من رصاص، وأطلق لروحها العنان… صحيحٌ أنها أُنهِكت، أنهكها الدمار واغتصاب الأرض، لكنها لم تُهزم».
هذا المقطع يكشف جوهر كتابة ليليان حمزة: الإيمان العميق بأن الإنهاك لا يعني الهزيمة، وأن الأنثى المكسورة ليست نهاية الحكاية، بل بدايتها. فالأنثى، في روايتها، ليست رمز ضعف، بل مخزن ذاكرة، ومنها تحديدًا تولد الثورة الهادئة.
عنوان الرواية، «وتحرّر الحلم»، ليس اختيارًا جماليًا فقط، بل خلاصة موقف. ليليان حمزة تعرف أن الحلم في لبنان غالبًا ما يُقاس بتحقّقه، لكنها تذهب أبعد: الحلم الحقيقي هو ذاك الذي يتحرّر من الخوف، من التهجير، من الانتظار، ومن القبول بالواقع بوصفه قدرًا. هنا، تتحوّل الكتابة إلى مساحة تحرير، وتغدو اللغة وطنًا مؤقتًا حين يضيق الوطن الحقيقي.
أسلوب ليليان حمزة يتّسم بالاقتصاد اللغوي والعمق الشعوري. لا تصرخ، ولا تستعرض، بل تترك الجملة تمشي ببطء، كما تمشي الذاكرة حين تكون مثقلة. كتابتها تشبهها: هادئة، صادقة، ومشبعة بإحساس وطنيّ لا يُعلن نفسه، لكنه حاضر في كل سطر.
«وتحرّر الحلم» ليست فقط الإصدار الأدبي الأول لليليان حمزة، بل إعلان دخولها إلى المشهد الثقافي اللبناني بصوتٍ واضح، مختلف، ومسؤول. صوت يعرف أن الأدب لا يغيّر العالم دفعة واحدة، لكنه يمنع سقوط الإنسان داخله.
وهكذا، لا يخرج القارئ من الرواية وهو يحمل قصة فحسب، بل يحمل سؤالًا يشبه سؤال الوطن نفسه: هل نريد أن نستمرّ في الحلم… أم نريد، أخيرًا، أن نحرّره؟




