في أعماق دماغ كل طفل، توجد مساحاتٌ صامتة؛ مناطق لا تطرقها المناهج التقليدية، ولا تكشفها التجارب اليومية العابرة. مساحات تنتظر شرارة صغيرة فقط، لتتحول إلى قدرات كامنة، وإبداع متدفّق، وذكاء متّقد.
وفي عالمٍ يتغيّر بسرعة مذهلة، لم يعد تطوير الطفل مسألة تلقين معلومات، بل أصبح فناً في كيفية استثمار هذا الصمت الداخلي وتحويله إلى قوة، تصنع جيلاً قادراً على التفكير، والإبداع، وصناعة المستقبل.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
كيف لنا، كأهل ومربين، أن نفعّل هذه المساحات الهادئة، ونفتح أمام أطفالنا أبواباً جديدة للنمو الذهني والوجداني؟
المساحات الصامتة: بين العلم والرؤية الإنسانية
وصف الدكتور وسيم السيسي المساحات الصامتة في دماغ الإنسان بأنها مناطق ذات خصائص فريدة، تتجاوز الحواس الخمس المعروفة. ويشير إلى أن هذه المساحات كانت نشطة لدى الإنسان القديم، وأسهمت في بناء تواصل فعّال بين البشر، قبل أن تخبو تدريجياً مع نمط الحياة الحديثة.
هذا الطرح يفتح أمامنا آفاقاً جديدة في عالم الطفولة، إذ يمكن استثمار هذه المساحات وتحفيزها لصناعة جيل أكثر وعياً، وإبداعاً، وتوازناً. وانطلاقاً من علم الأعصاب الحديث، يمكن ترجمة هذه الفكرة إلى ممارسات عملية، واقعية، وقابلة للتطبيق في البيت والمدرسة.
برنامج عملي لتنشيط الإبداع عند الأطفال
فيما يلي مجموعة من الخطوات المبنية على علم الدماغ، تهدف إلى تنشيط المناطق المرتبطة بالإبداع، والحدس، والتخيّل، وبناء الدارات العصبية، وتحفيز الفص الجبهي:
1. السماح بالفوضى الإبداعية (Creative Mess)
يبدع الطفل حين لا يخاف من الخطأ. لذلك، من الضروري أن ندخل عالمه البسيط دون أن نُسقط عليه توترات عالم الكبار.
تُعدّ الأنشطة اليدوية من أهم بوابات الفوضى الإبداعية، مثل:
الرسم الحر
النحت
اللعب بالصلصال
التعامل مع التراب والرمال الملوّنة
هذه الأنشطة تنشّط مناطق التخيل البصري والحركي، وتزيد من الروابط العصبية.
ويُنصح بتخصيص 15–20 دقيقة يومياً لما يمكن تسميته:
«وقت الإبداع بلا قواعد»
على أن نمتنع تماماً عن تصحيح الأخطاء الفنية أو اللغوية أثناء هذه المرحلة.
2. توسيع الخيال بدلاً من تقديم إجابات جاهزة
(تحفيز الفص الجبهي – Frontal Cortex)
يُعدّ الفص الجبهي المسؤول الأول عن الإبداع والتفكير المعقّد. وكلما أسرعنا في إعطاء الطفل إجابة جاهزة، ضيّقنا مساحة تفكيره.
تعتمد هذه الطريقة على إثارة الفضول والشك المعرفي، كما فعل سقراط، من خلال أسئلة مفتوحة مثل:
ماذا سيحدث لو اختفت الجاذبية؟
كيف تتوقع أن تفكر نملة؟
اخترع طريقة جديدة لنقل الماء دون استخدام كوب.
هذه الأسئلة لا تبحث عن إجابة صحيحة، بل عن عملية تفكير، وهي من أكثر الوسائل فاعلية لتنمية التفكير الإبداعي والعلمي لدى الطفل.
3. الألعاب التي تبني شبكات تفكير
ليست كل الألعاب متساوية في أثرها العصبي.
الألعاب التي تنشّط المساحات الإبداعية تشمل:
LEGO بدون كتالوج
المكعبات
ألعاب التخمين
الرسم الحر
القصص المفتوحة النهاية
ألعاب الأدوار (Role Play)
هذه الألعاب لا تعلّم مهارات فقط، بل تبني شبكات تفكير مرنة.
4. تدريب الحواس وتنمية الوعي الحسي
الإبداع يبدأ عندما يصبح الطفل واعياً لحواسه، كما كان الإنسان القديم. هذا الوعي يفعّل شبكات حسية خاملة تُعدّ أساس الحدس والإبداع.
تمارين بسيطة يمكن ممارستها يومياً:
إغماض العينين وتحديد خمسة أصوات محيطة
تذوّق أطعمة مختلفة ووصف الطعم
لمس مواد متنوعة (قطن، ورق، خشب…)
شم روائح متعددة ومحاولة وصفها
5. القراءة القصصية التفاعلية (Not Just Reading)
القراءة من أقوى محفّزات الدماغ، لكن فعاليتها الحقيقية تظهر عندما تكون تفاعلية.
لا نكتفي بسرد القصة، بل نطرح أسئلة مثل:
ماذا تتوقع أن يحدث بعد هذه الصفحة؟
غيّر النهاية.
اخترع شخصية جديدة داخل القصة.
هذا الأسلوب يطوّر مهارات التخيل، وبناء الحبكة، والابتكار.
6. بيئة منزلية تشجّع الإبداع لا الدرجات
الطفل يبحث عن التشجيع والدعم النفسي قبل أي إنجاز.
الإبداع يحتاج إلى:
حرية التعبير
الإصغاء الجاد لأفكاره
تقبّل حديثه مهما بدا طويلاً أو عشوائياً
ومن الضروري تجنّب السخرية أو المقارنة بالآخرين، لأن شعور الطفل بالخوف أو التهكّم يوقف مراكز الإبداع فوراً.
إن استثمار المساحات الصامتة في دماغ الطفل ليس رفاهية تربوية، بل ضرورة في عصر سريع التحوّل. هذه الخطوات ليست نهاية الطريق، بل بدايته.
أطفالنا يستحقون بيئة مليئة بالدعم، والحب، والإنصات، ليكونوا مبدعين لا مقلّدين، ومفكّرين لا متلقّين.
مهمتنا ليست أن نصنع جيلاً يشبهنا، بل جيلاً أفضل منا.




