لم يكن افتتاح الدورة الثانية والثلاثين من مهرجان البستان الدولي حدثاً فنياً عادياً، بل بدا أقرب إلى لحظة تقاطع بين الثقافة والسياسة، بين العائلة والدولة، وبين النغمة والرمز. ففي قاعة إميل البستاني، حضر الفن محاطاً بزخم رسمي كثيف: وزراء، نواب، سفراء، وشخصيات من مختلف الحقول العامة. هذا الحضور، على أهميته، طرح سؤالاً ضمنياً: هل كان الحدث موسيقياً بالدرجة الأولى، أم مناسبة بروتوكولية ارتدت ثوب الفن؟
العائلة كشعار… وكبنية فنية
اختار المهرجان لدورته شعار “عائلة وأصدقاء”، فجاءت الخشبة تجسيداً حرفياً له. تصدّر مارسيل خليفة المشهد، محاطاً بابنه رامي على البيانو، وابن شقيقه ساري على التشيللو، وبمشاركة شربل روحانا ونجله نديم على الأكورديون.
هنا، لم تكن العائلية مجرّد رابط دم، بل تحوّلت إلى بنية جمالية: حوار أجيال، وتبادل أدوار مدروس، وتوزيع عادل للمساحات الفردية والجماعية. اللافت أنّ الجيل الثاني لم يُقدَّم بوصفه امتداداً ظلّياً، بل كأصوات مكتملة الحضور. عزف ساري “صرخة” بوعي تقني وحرارة داخلية، فيما قدّم رامي أداءً حيوياً متفلّتاً من القوالب، مستثمراً جسد البيانو ذاته لا مفاتيحه فقط. أما نديم، فحمل الأكورديون إلى منطقة حساسة بين الرومانسي والدرامي في “تانغو لعيون حبيبتي”.
إذاً، نحن أمام عائلة لا تتكئ على الاسم بقدر ما تختبره. غير أن السؤال النقدي المشروع هنا: هل يكفي الانسجام العائلي لصنع لحظة فنية فارقة؟ أم أن الرهان الحقيقي كان في نوعية الحوار الموسيقي ذاته؟
جدل العودين… ومساحة الصوت
حين دخل عودا مارسيل وشربل في محاورة نغمية، بدا المشهد كأنّه نقاش موسيقي حيّ: تقاسيم تتجاوب، جُمل تتقاطع، ومساحات صمت محسوبة. لم يكن الأمر استعراض مهارة، بل تمريناً على الإصغاء. هذا الإصغاء هو ما منح اللحظة صدقها.
أما في الغناء، فاستعاد مارسيل بعضاً من أرشيفه العاطفي والوطني: “يطير الحمام”، “ريتا”، و”يا بحرية”. أداؤه ظلّ وفياً لمدرسته في إشراك الجمهور صوتياً، كأن الغناء فعل جماعي لا فردي. لكن هنا أيضاً يبرز تساؤل: إلى أي حدّ تبقى هذه الأغاني، برمزيتها التاريخية، قادرة على إنتاج دهشة جديدة؟ هل تعتمد قوتها اليوم على الذاكرة أكثر مما تعتمد على التجديد؟
الرسمي يزاحم الجمالي
لا يمكن تجاهل المشهد السياسي–الدبلوماسي الذي طغى على الافتتاح. حضور هذا العدد من الوزراء والسفراء يمنح الحدث ثقلاً، لكنه في الوقت نفسه يهدد بتحويل الفن إلى خلفية لصورة رسمية. هل كان الجمهور يصغي إلى العود، أم يراقب حركة المقاعد الأمامية؟ هذه مفارقة تعيشها المهرجانات اللبنانية منذ سنوات: الحاجة إلى الرعاية السياسية مقابل خطر تسييس اللحظة الثقافية.
ومع ذلك، يمكن قراءة المشهد من زاوية أخرى: ربما يشكّل هذا الحضور اعترافاً ضمنياً بأن الثقافة ما زالت مساحة جامعة في بلد تتنازعه الانقسامات. في هذه الحالة، يصبح الفن منصة تلاقٍ، لا مجرد عرض.
ما وراء الافتتاح
الحفل لم يكن فقط بداية دورة جديدة، بل إعلاناً مبكراً عن انطلاق موسم المهرجانات الصيفية في لبنان. وهنا تكمن الدلالة الأوسع: رغم الأزمات الاقتصادية والسياسية، ما زال هناك إصرار على إنتاج الفرح الجمالي. لكن هذا الإصرار يحتاج إلى ما هو أبعد من الرمزية؛ يحتاج إلى تجديد في البرامج، إلى مخاطرة فنية، إلى فتح الباب أمام تجارب غير مألوفة.
الافتتاح كان أنيقاً، متقناً، مشبعاً بالعاطفة والحنين. غير أن التحدي الحقيقي أمام المهرجان، وأمام المشهد الثقافي اللبناني عموماً، هو الانتقال من الاحتفاء بالماضي إلى صناعة مستقبل مختلف.



