لطالما ارتبط اسم سلطنة عُمان بدور الوسيط الهادئ في أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيدًا، من القنوات الخلفية بين واشنطن وطهران، إلى تسهيل المحادثات غير المباشرة في اليمن. غير أنّ التطورات الأخيرة في محافظة المهرة اليمنية أعادت طرح سؤال جوهري: هل قررت مسقط الانتقال من الحياد الصامت إلى الفعل المحسوب؟
المهرة: الجغرافيا التي لا تسمح بالحياد
تمثّل محافظة المهرة أكثر من مجرد هامش جغرافي في المعادلة اليمنية. فهي خاصرة حدودية مباشرة مع عُمان، وعمق اجتماعي وقبلي متداخل، وأي اضطراب فيها ينعكس فورًا على الأمن العُماني.
من هنا، تنظر مسقط إلى المهرة باعتبارها خط دفاع أول، لا ساحة نفوذ قابلة للمساومة.
التقارير الأخيرة – وعلى رأسها ما نشره Middle East Eye – تحدثت عن تبادل معلومات أمنية بين عُمان والسعودية بشأن تحركات قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، في لحظة حساسة كانت تُتداول فيها تقديرات عن نية إعلان انفصال فعلي للجنوب على غرار “أرض الصومال”.
الانفصال الجنوبي: خط أحمر عُماني
بالنسبة لمسقط، لا يُقرأ مشروع الانفصال من زاوية سياسية يمنية داخلية فقط، بل من زاوية الأمن القومي المباشر.
كيان انفصالي مسلح على حدودها الشرقية يعني:
- حدود طويلة مع سلطة غير مستقرة
- احتمالية تسلل جماعات مسلحة غير منضبطة
- فتح المجال أمام صراعات نفوذ إقليمية قرب أراضيها
لهذا، تبدو عُمان أقرب إلى دعم وحدة اليمن كخيار أمني أكثر منه موقفًا أيديولوجيًا.
الذاكرة التاريخية: ظفار لا تُنسى
لا يمكن فهم الحذر العُماني دون العودة إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين شكّل جنوب اليمن قاعدة دعم لتمرد ظفار.
صحيح أن الزمن تغيّر، لكن الدولة لا تنسى جغرافيتها ولا تجاربها الوجودية. هذا العامل التاريخي لا يفسّر السياسة العُمانية وحده، لكنه يفسّر حساسيتها المفرطة تجاه أي تحوّل جذري جنوب اليمن.
تنسيق أمني لا تدخل عسكري
رغم ما يُشاع عن “دعم الضربات الجوية”، لا توجد حتى الآن أي مؤشرات موثقة على مشاركة عُمانية مباشرة في عمليات عسكرية.
الأرجح أن ما يجري هو:
- تنسيق أمني واستخباراتي محدود
- تبادل تقديرات حول مخاطر التفكك
- دعم غير معلن للجهود السعودية في ضبط الإيقاع شرق اليمن
وهو ما ينسجم مع العلاقة الاستراتيجية بين مسقط والرياض، دون أن يعني تخلي عُمان عن ثوابتها الدبلوماسية.
الإمارات والانتقالي: عامل القلق الصامت
لا تخفي عُمان قلقها من تمدد نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا باتجاه الشرق.
فالمسألة هنا ليست صراع نفوذ تقليدي، بل خشية من ولادة كيان مسلح عقائدي–سياسي على تماس مباشر مع حدودها، خارج أي ضمانات مؤسسية مستقرة.
خريطة المصالح العُمانية: ثلاث أولويات
يمكن تلخيص السلوك العُماني الحالي بثلاثة أهداف واضحة:
- منع اقتراب أي كيان انفصالي مسلح من حدودها
- تجنيب المهرة سيناريو الفوضى أو التدويل
- الحفاظ على اليمن الموحّد كحاجز استقرار إقليمي
ما يجري لا يعني أن عُمان تخلّت عن دور الوسيط، بل أنها أعادت تعريفه.
فالوساطة، حين تلامس الأمن القومي، لا تبقى حيادًا مطلقًا، بل تتحول إلى توازن دقيق بين الصمت والفعل.
عُمان اليوم لا تقاتل في اليمن، لكنها لن تسمح بأن يُعاد رسم الجغرافيا على حدودها دون أن تكون طرفًا في المعادلة.
وهو تحوّل هادئ… لكنه عميق.
بقلم رئيس التحرير – حسين غزالة




