بدأت العملية العسكرية الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران في سياق تصعيد متدرّج، لكن مع مؤشرات واضحة على تحوّل نوعي في الأهداف المعلنة والخطاب المصاحب. لم يعد الحديث مقتصراً على “تعطيل قدرات صاروخية” أو “إبطاء مسار نووي”، بل ارتفع السقف إلى مستوى يمسّ بنية الحكم ذاتها. هذا الانتقال، إن ثبت أنه سياسة فعلية لا مجرد ضغط تفاوضي، ينقل المواجهة من إدارة صراع إلى معادلة صِفرية ذات كلفة مفتوحة.
من الردع إلى تغيير السلوك… أم تغيير النظام؟
التاريخ القريب يُظهر أن واشنطن وتل أبيب اعتمدتا لسنوات نمطاً يقوم على الضربات المحدودة: استهداف شحنات سلاح، مواقع عسكرية، أو شبكات حليفة لإيران في الإقليم، مع إبقاء باب المفاوضات موارباً. كانت المعادلة تقوم على تقليم القدرات من دون كسر العظم، وعلى ردّ إيراني محسوب يحافظ على هامش إنكار أو ضبط إيقاع.
اليوم، الخطاب السياسي يوحي بانتقال إلى مستوى مختلف. تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ركزت على إزالة “خطر وجودي”، بينما قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب العملية ضمن إطار أوسع يرتبط بالأمن الإقليمي ومنع التهديدات بعيدة المدى. السؤال المحوري هنا: هل المقصود تغيير سلوك إيران، أم تغيير النظام نفسه؟ الفرق بين الهدفين ليس لغوياً، بل عملياتيّ واستراتيجيّ.
تغيير السلوك يمكن أن يتحقق عبر ضربات مركّزة وعقوبات وضغط سياسي.
أما تغيير النظام فيفترض مساراً أطول، يتجاوز القوة الجوية إلى ديناميات داخلية، أو انهيار اقتصادي–سياسي، أو انقسام نخبوي. التجارب السابقة في المنطقة تجعل هذا السيناريو محفوفاً بالتعقيد.
الخطاب والاستعارة: إدارة الحرب في المخيلة
جزء أساسي من المواجهة يدور في الفضاء الرمزي. استدعاء سرديات تاريخية أو مفاهيم مثل “التحرير” ليس تفصيلاً بل أداة تعبئة داخلية وتبرير خارجي. في المقابل، طهران بدورها توظف خطاب “الدفاع عن السيادة” ورفض “الهيمنة” لحشد الداخل وشرعنة الرد.
المعضلة أن هذه اللغة، مهما كانت فعاليتها التعبوية، ترفع سقف التوقعات وتضيّق هامش التراجع. فكلما صيغت الحرب بوصفها معركة وجود، صار الخروج منها بتسوية أقل سهولة سياسياً.
الحسابات العسكرية: القدرة والقيود
من الناحية العملياتية، تستطيع الضربات الجوية أن تُضعف بنى تحتية عسكرية، وأن تؤخر برامج حساسة، وأن تستنزف منظومات القيادة والسيطرة. لكنها نادراً ما تُسقط أنظمة راسخة من الجو وحده، خصوصاً في دولة بحجم إيران من حيث الجغرافيا والسكان والعمق الاستراتيجي.
في المقابل، يمتلك الإيرانيون أدوات رد متعددة المستويات:
صواريخ بعيدة ومتوسطة المدى.
شبكات حليفة إقليمياً.
أدوات ضغط غير تقليدية في المجال البحري أو السيبراني.
ردّ واسع قد يجرّ المنطقة إلى تصعيد متدرّج يصعب احتواؤه، فيما ردّ محدود قد يُفسَّر كقبول بقواعد اشتباك جديدة.
اختبار الجبهات الداخلية
لا تُحسم الحروب الكبرى في الميدان فقط، بل في قدرة المجتمعات على التحمّل.
في إسرائيل، أي حرب ممتدة تعني ضغطاً اقتصادياً وأمنياً متصاعداً، واختباراً لقدرة أنظمة الدفاع على الاستمرار تحت وابل متكرر.
في إيران، يتقاطع الضغط العسكري مع واقع اقتصادي معقّد وتباينات اجتماعية وثقافية. الحرب قد تُنتج تعبئة وطنية حول السلطة، أو على العكس، تُفاقم التوترات الداخلية. الاحتمالان قائمان، ويعتمد ترجيح أحدهما على طول أمد المواجهة وحجم الخسائر.
أما في الولايات المتحدة، فالمعادلة أكثر تعقيداً. الانخراط في حرب مفتوحة في الشرق الأوسط يثير انقساماً داخلياً، خصوصاً إذا طال أمد العمليات أو ارتفعت كلفتها البشرية والمالية. أي توسّع يتجاوز الضربات الجوية إلى انخراط بري سيغيّر المشهد السياسي الداخلي جذرياً.
ما الذي تغيّر فعلاً؟
التحوّل الأخطر ليس في عدد الصواريخ أو حجم الطلعات الجوية، بل في طبيعة الخطاب والأهداف المعلنة. إذا أصبحت المعركة مصنّفة كحرب وجود، فإن هامش المناورة الدبلوماسية يضيق، ويصبح كل طرف أسيراً لسقفه الخطابي.
ومع ذلك، لا تزال هناك متغيرات قد تعيد تشكيل المسار:
مدى فاعلية الضربات في تحقيق أهدافها التكتيكية.
طبيعة الرد الإيراني وحجمه.
موقف القوى الدولية الكبرى من اتساع الصراع.
قدرة الوسطاء على فتح قنوات خفض التصعيد.
بين الردع والانزلاق
المنطقة أمام مفترق دقيق. قد تنجح العملية في فرض معادلة ردع جديدة تُعيد الأطراف إلى طاولة تفاوض بشروط مختلفة. وقد تنزلق إلى دورة تصعيد ممتدة تعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات.
ما بعد هذه المواجهة لن يشبه ما قبلها، ليس بالضرورة لأن أحد الأطراف سيُهزم نهائياً، بل لأن سقف المخاطرة ارتفع. وعندما ترتفع المخاطرة إلى مستوى البقاء، تصبح القرارات أقل برودة، والنتائج أكثر عمقاً وأبعد أثراً من حسابات اللحظة.




