تشير تحليلات سياسية وعسكرية متقاطعة إلى أن تراجع الولايات المتحدة عن تنفيذ ضربة عسكرية مباشرة ضد إيران لا يعود إلى سبب واحد، بل إلى مجموعة معقدة من العوامل الميدانية والتقنية والاستراتيجية التي فرضت نفسها على صانع القرار الأميركي في اللحظة الراهنة.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن أحد أبرز هذه العوامل يتمثل في حرب التشويش الإلكتروني التي شهدتها المنطقة، والتي أثّرت وفق تقديرات على منظومات تسليح أميركية متقدمة، شملت الطائرات الحربية، وأنظمة التوجيه، وحتى بعض القطع البحرية المنتشرة في الخليج. وتذهب هذه التحليلات إلى القول إن هذا التشويش لم يكن محلياً فقط، بل حظي بدعم تقني صيني وروسي، في إطار صراع النفوذ الدولي المتصاعد.
كما تتحدث تقارير عن تعطيل مؤقت أو إرباك في عمل بعض الأقمار الاصطناعية، ما انعكس على دقة الرصد والاتصال، بالتوازي مع فصل خدمات الإنترنت داخل إيران خلال فترات حساسة، الأمر الذي حدّ من قدرة مجموعات معارضة أو خلايا تخريبية على التواصل فيما بينها. وتشير معطيات أمنية إلى أن عدداً من العملاء والمتعاونين جرى اعتقالهم خلال هذه الفترة، ما أدى إلى تفكيك شبكات كانت تُعوَّل عليها لإحداث اضطرابات داخلية.
على الصعيد الداخلي، لوحظ وفق مراقبين أن شريحة واسعة من الشعب الإيراني، ورغم اعتراضها على السياسات الاقتصادية أو أدائها الحكومي، شعرت بأن المرحلة الراهنة تفرض الالتفاف حول الدولة والنظام، انطلاقاً من قناعة متنامية بأن أي تحركات تحت مسمى “الثورة” ليست بريئة، بل تقف خلفها أجندات أميركية وإسرائيلية. وفي هذا السياق، برز رفض شعبي واضح لعودة نجل الشاه أو أي مشروع سياسي مرتبط بالنظام السابق.
ويُضاف إلى ذلك، بحسب محللين، أن تعقيد بنية النظام الإيراني يشكل عائقاً أساسياً أمام أي محاولة لإسقاطه من الداخل. فالنظام يقوم على تشابك مؤسساتي مزدوج، حيث تقابل كل جهة حكومية تقريباً جهة موازية أو رقابية تابعة لـ الحرس الثوري، سواء في المجال الأمني أو الاقتصادي أو الإداري. هذا التداخل يجعل من الصعب إحداث اختراق داخلي حاسم أو تفكيك السلطة عبر مسار واحد، ويحوّل أي تحرك داخلي إلى مسار طويل ومعقد.
في المقابل، لا تستبعد بعض الدوائر الاستخباراتية الغربية احتمال أن تكون إيران قد اقتربت كثيراً من امتلاك السلاح النووي أو وصلت إلى عتبة متقدمة للغاية، وهو ما يرفع كلفة أي ضربة عسكرية ويجعل نتائجها غير مضمونة.
وتحذر تقارير عسكرية من أن الصواريخ الإيرانية الفرط صوتية، في حال استخدامها، قد تشكل تهديداً مباشراً للمصالح الأميركية في الخليج والمنطقة، مع إمكانية تدمير قواعد ومنشآت حيوية خلال وقت قصير. هذا السيناريو دفع دول الخليج إلى لعب دور الوسيط، خشية انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة ستلحق بها أضراراً اقتصادية وأمنية جسيمة.
ويبرز في هذا الإطار سيناريو إغلاق مضيق هرمز كأحد أخطر أوراق الضغط، لما يحمله من تداعيات مباشرة على سوق الطاقة العالمي، وارتفاع حاد في أسعار النفط.
داخلياً، تشير المعطيات إلى أن السلطات الإيرانية تمكنت من احتواء أعمال الشغب والاضطرابات، بالتوازي مع تسريع وتيرة تطوير الصواريخ والأسلحة الدفاعية البحرية والجوية، في رسالة ردع موجهة للخارج.
أما المواجهة التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل، فيرى محللون أنها لم تكن سوى استعراض محدود لبعض هذه القدرات، ورسالة محسوبة بعناية دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
وفي بعدٍ دولي آخر، تلفت تحليلات أوروبية إلى أن الولايات المتحدة تواجه توتراً متصاعداً مع حلفائها داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، على خلفية ملفات خلافية أبرزها قضية غرينلاند، وما رافقها من تباينات في الرؤى السيادية والاستراتيجية بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية. هذا التوتر، وفق مراقبين، يضعف احتمالات اصطفاف كامل للناتو خلف أي مغامرة عسكرية أميركية ضد إيران، خصوصاً إذا تطورت إلى حرب طويلة أو محاولة احتلال، وهو سيناريو لا يحظى بإجماع أوروبي.
في الخلاصة، تؤكد مصادر أميركية أن خيار الضربة العسكرية لم يُلغَ نهائياً، بل هو قيد الدراسة والتأجيل، بانتظار بلورة المشهد الإقليمي والدولي بشكل أوضح، وتجهيز الولايات المتحدة نفسها لسيناريو أكثر تعقيداً، في ظل قناعة متزايدة بأن إيران ليست هدفاً سهلاً أو “لقمة سائغة” يمكن التعامل معها كما حدث في تجارب أخرى مثل فنزويلا.




