لأكثر من نصف قرن، استقرّ في الوعي العلمي تصنيف أورانوس ونبتون ضمن فئة واحدة عُرفت باسم «العمالقة الجليدية»، في تمييز واضح عن المشتري وزحل المصنّفين ككوكبين غازيين. ووفق هذا التصنيف، يُفترض أن يتكوّن أورانوس ونبتون أساسًا من جليد مضغوط، أي مواد متطايرة مثل الماء والأمونيا والميثان، تعلو قلبًا صخريًا صغيرًا نسبيًا. غير أن دراسة حديثة نُشرت في دورية Astronomy & Astrophysics تقترح أن هذه الصورة قد تكون أبسط مما ينبغي، وربما مضلِّلة علميًا.
الدراسة لا تنفي الطبيعة الجليدية للكوكبين، لكنها تطرح سؤالًا أكثر عمقًا: هل البيانات المتوفرة كافية لحسم تركيب داخلي واحد؟ والإجابة، وفق الباحثين، هي لا.
لغز الداخل غير المرئي
تكمن صعوبة دراسة الكواكب العملاقة في حقيقة أننا لا نستطيع رؤية باطنها مباشرة. فلا توجد وسيلة تقنية تمكّن العلماء من سبر قلب أورانوس أو نبتون، ولذلك يعتمد البحث على مؤشرات غير مباشرة، أبرزها الكتلة، ونصف القطر، وقياسات دقيقة لمجال الجاذبية. وتكشف الاختلافات الطفيفة في الجاذبية عن كيفية توزّع الكتلة داخل الكوكب، وهل هي مركّزة في نواة كثيفة أم موزعة عبر طبقات واسعة.
غير أن النماذج المستخدمة تاريخيًا لفهم هذا الداخل تواجه إشكاليات أساسية. فمن جهة، تعتمد بعض النماذج الفيزيائية على افتراضات مسبقة، فتبدأ بتقسيم الكوكب إلى طبقات محددة (نواة صخرية، طبقة جليدية، غلاف غازي) ثم تُعدّل الحسابات لتناسب هذا التصور. ومن جهة أخرى، تلجأ نماذج أكثر مرونة إلى تبسيطات قد تُهمل السلوك الحقيقي للمواد تحت ضغوط وحرارة هائلة، حيث تتغير خصائص الماء والغازات والمعادن بطرق غير مألوفة.
مقاربة مختلفة بلا قوالب جاهزة
تقترح الدراسة الجديدة حلًا وسطًا بين الدقة والمرونة، عبر استخدام خوارزمية هجينة لا تفترض بنية داخلية مسبقة. تبدأ الطريقة بتوزيع عشوائي للكثافة داخل الكوكب، دون تحديد ما إذا كانت المناطق صخرية أو جليدية أو غازية. ثم يُحسب مجال الجاذبية الناتج عن هذا التوزيع، ويُقارن بالقياسات الفعلية، قبل تعديل النموذج تدريجيًا إلى أن يتوافق مع الرصد ومع فيزياء المواد المعروفة.
اللافت في هذه المقاربة أنها لا تنتج نموذجًا واحدًا “مثاليًا”، بل مجموعة واسعة من النماذج الممكنة علميًا، جميعها متوافقة مع البيانات المتوفرة. والنتيجة أن السيناريوهات المقبولة لتركيب أورانوس ونبتون تمتد من نماذج غنية بالجليد إلى أخرى تحتوي على نسبة أعلى من الصخور مما كان يُعتقد سابقًا.
إعادة نظر في التصنيفات الكوكبية
تسلّط هذه النتائج الضوء على محدودية توصيف أورانوس ونبتون باعتبارهما «عمالقة جليدية» بالمعنى الدقيق. فالتسمية، رغم فائدتها التعليمية، توحي بأن التركيب الداخلي معروف ومحسوم، بينما تُظهر الدراسة أن الواقع أكثر تعقيدًا، وأن البيانات الحالية لا تستبعد أكثر من سيناريو داخلي.
ولا تقتصر دلالات هذا العمل على كوكبين في النظام الشمسي فحسب، بل تمتد إلى علم الكواكب عمومًا، وخصوصًا دراسة الكواكب الخارجية، حيث تُبنى تصنيفات واسعة أحيانًا على معطيات محدودة.
بين الحذر العلمي والتقدّم المعرفي
في جوهرها، لا تهدف الدراسة إلى استبدال يقين قديم بيقين جديد، بل إلى إعادة الاعتبار للحذر العلمي. فهي تؤكد أن غياب القدرة على الرصد المباشر يفرض تواضعًا معرفيًا، وأن إبقاء الاحتمالات مفتوحة هو موقف علمي أكثر دقة من الحسم المبكر.
تُظهر الدراسة أن وصف أورانوس ونبتون كـ«عمالقة جليدية» قد يكون تبسيطًا مفرطًا أكثر منه حقيقة فيزيائية مؤكدة. ومع تطوّر أدوات النمذجة وطرق التحليل، يتضح أن داخل هذه الكواكب ما زال لغزًا مفتوحًا، وأن فهمه يتطلب التحرر من القوالب الجاهزة بقدر ما يتطلب بيانات أفضل. وفي هذا المعنى، لا تكشف الدراسة ما هو داخل الكوكبين فحسب، بل تكشف أيضًا حدود معرفتنا… وهي خطوة أساسية في طريق العلم.




