اطل مسلسل “مولانا” في رمضان 2026 إلى الواجهة مستندًا إلى نموذج درامي بات مألوفًا في الإنتاجات العربية المعاصرة، قوامه شخصية محورية مهيمنة تُقدَّم بوصفها مركز القوة والسطوة. هذا النموذج، الذي رسّخته أعمال مثل “الهيبة”، يُستعاد هنا من خلال أداء تيم حسن، ضمن سياق يقترب في روحه من نماذج أخرى في الدراما العربية، حيث يُبنى السرد حول بطل يتجاوز القانون، ويُعاد تشكيل العالم من حوله وفق منطق نفوذه.
غير أن الإشكالية في “مولانا” لا تكمن في استدعاء هذا النموذج بحد ذاته، بل في تفريغه من شروطه الدرامية الأساسية، وتحويله إلى مجرد قشرة شكلية تفتقر إلى العمق والتطور.
حبكة قائمة على التراكم لا على السببية
تنطلق أحداث المسلسل من جريمة قتل يرتكبها “جابر” مع سبق الإصرار، لتدخله في مسار هروب يلتقي خلاله بشخصية “سالم العادلي”. تتطور العلاقة سريعًا إلى صفقة تنتهي بحادث سير، ينجو منه “جابر” وحده، ليقوم بانتحال شخصية “سالم” والدخول إلى “ضيعة العادلية”، حيث يُستقبل بوصفه شخصية نافذة.
رغم ما يبدو من تشويق في هذا البناء، إلا أن الحبكة تعاني من خلل بنيوي واضح يتمثل في غياب السلسلة السببية للأحداث. فالتطورات لا تنشأ كنتائج منطقية لما سبقها، بل تأتي أقرب إلى تراكمات متتالية، تفتقر إلى الترابط الداخلي. هذا النمط من الكتابة، الذي يمكن وصفه بـ”السرد الحَلَقي”، يجعل الأحداث تبدو منفصلة، ويضعف من إحساس المشاهد بالتصاعد الدرامي.
إخراج يفتقر إلى التوظيف الدلالي للمكان
على مستوى الإخراج، يعتمد العمل بشكل شبه كامل على فضاء “الضيعة”، مع محدودية واضحة في تنوع مواقع التصوير. ورغم أن هذا الخيار قد يُستخدم في بعض الأعمال لتعزيز الإحساس بالاختناق أو التوتر، إلا أن “مولانا” يفشل في استثمار هذه المحدودية لصالحه.
تظل الكاميرا حبيسة أنماط تقليدية، مثل اللقطات المتقابلة أو التتبع البطيء، دون أي محاولة لخلق لغة بصرية تعكس تعقيدات الشخصيات أو تصاعد الصراع. كما أن الاعتماد المفرط على الحوار، مقابل غياب شبه تام للغة الجسد أو التعبير البصري، يحوّل العمل إلى تجربة أقرب إلى نص مسموع، بدلًا من كونه بناءً بصريًا متكاملاً.
أداء تمثيلي أسير القوالب الجاهزة
يقدّم تيم حسن أداءً متماسكًا من حيث الحضور والكاريزما، إلا أنه يظل محكومًا بنمط تكراري بات مألوفًا في أعماله الأخيرة: نبرة صوت منخفضة، نظرات حادة، وانفجارات انفعالية محسوبة. هذا النمط، الذي نجح سابقًا، لم يعد يقدّم إضافة نوعية، بل يعيد إنتاج الشخصية ذاتها ضمن سياقات مختلفة.
أما فارس الحلو، فيسعى إلى تجسيد شخصية “العقيد كفاح” بجدية واضحة، إلا أن حضوره يتأثر بإرثه الكوميدي، ما يخلق فجوة بين الطابع التراجيدي المفترض للشخصية والانطباع الذي تتركه لدى المتلقي.
قضايا كبيرة… ومعالجة سطحية
يحاول النص التطرق إلى مجموعة من القضايا الاجتماعية، كالعنف، الفساد، المخدرات، والهجرة غير الشرعية، إلا أن هذه الموضوعات تُطرح بشكل مباشر وسريع، دون تعميق أو تحليل. تبدو هذه القضايا وكأنها عناصر مضافة لإضفاء ثقل على العمل، لا جزءًا عضويًا من بنيته.
الأهم من ذلك، أن المسلسل يغفل بناء رهان أخلاقي واضح: فلا تُطرح أفعال الشخصية الرئيسية ضمن إطار مساءلة حقيقية، ولا يُدفع ثمن درامي لتجاوزاتها، ما يحوّل السرد إلى استعراض للنفوذ بدلًا من كونه مساءلة له.
بين التمجيد والمبالغة: دراما بلا توازن
يقع “مولانا” في فخ تمجيد الشخصية المركزية، حيث تُبنى الأحداث حول قدرتها على السيطرة، دون وجود قوى مضادة مكافئة أو صراعات داخلية حقيقية. هذا الميل إلى تضخيم الشخصية، دون مبرر درامي كافٍ، يضعف من مصداقية العمل، ويقرّبه من نماذج درامية تعتمد على المبالغة أكثر من البناء المتماسك.
لا يفشل “مولانا” لأنه يكرر نموذج البطل المهيمن، بل لأنه يفرغه من عناصره الحيوية: غياب التحول النفسي، ضعف الترابط السببي، وانعدام الرهان الأخلاقي. وبين إخراج تقليدي، ونص سطحي، وأداءات تدور في فلك النمطية، يتحول العمل إلى تجربة درامية تعتمد على الهيبة الشكلية، دون أن تنجح في بناء دراما حقيقية قادرة على الإقناع أو التأثير.
في نهاية المطاف، يظل “مولانا” مثالًا على أزمة أعمق في بعض الإنتاجات العربية المعاصرة: الاكتفاء بإعادة تدوير النماذج الناجحة، دون امتلاك الجرأة أو الرؤية لتجاوزها.




