في ظلّ موجة النزوح الواسعة التي شهدها لبنان مؤخرًا بسبب العدوان الإسرائلي، برزت مبادرات متعددة سعت إلى التخفيف من وطأة الأزمة، من بينها مبادرة مكتب السيد السيستاني التي تهدف إلى تقديم الدعم للعائلات النازحة. وتُحسب لهذه المبادرة نواياها الإنسانية في الاستجابة لواقع معيشي صعب ومتفاقم، غير أن تقييمها لا يمكن أن يقتصر على الهدف، بل يجب أن يشمل أيضًا آلية التنفيذ ومدى انسجامها مع ظروف الفئة المستهدفة.
ولا تقلّ آلية التقديم نفسها تعقيدًا عن اللغة المستخدمة في الاستمارة. فالشروط الإجرائية التي تُطلب من النازحين تطرح بدورها تساؤلات جدية حول مدى ملاءمتها لواقع النزوح. إذ تتطلب عملية التسجيل تعبئة نموذج إلكتروني وإدخال معلومات تفصيلية، في وقت يفتقر فيه كثير من النازحين إلى اتصال مستقر بالإنترنت أو حتى إلى الأجهزة اللازمة لإتمام هذه الخطوة بشكل مستقل.
ولا تقف الصعوبات عند حدود الوصول إلى الاستمارة، بل تمتد إلى نوعية المستندات المطلوبة. فطلب وثائق رسمية، مثل إخراج قيد عائلي، يفترض ضمنيًا أن العائلات نزحت بشكل منظّم واحتفظت بأوراقها، أو أنها قادرة على استخراج بدائل عنها بسهولة. غير أن الواقع يشير إلى عكس ذلك تمامًا، حيث غادرت غالبية الأسر منازلها على عجل، من دون أن تتمكن من حمل مستنداتها، ودون القدرة على العودة أو التواصل مع الجهات الرسمية المعنية.
وتزداد الإشكالية تعقيدًا مع اشتراط استكمال بعض الطلبات عبر تصديق من رجل دين في المنطقة الأصلية للنازح. فهذا الشرط، وإن بدا في ظاهره إجراءً توثيقيًا، يطرح إشكاليات عملية تتعلق بإمكانية الوصول والتواصل، فضلًا عن كونه يضيف بُعدًا اجتماعيًا إلى مسار يفترض أن يكون إداريًا وإنسانيًا بالدرجة الأولى. إذ يجد النازح نفسه مطالبًا بإثبات حالته ليس فقط عبر الوثائق، بل أيضًا عبر شبكة علاقات لم يعد قادرًا على الوصول إليها.
في هذا السياق، لا تبدو هذه المتطلبات مجرد تفاصيل تنظيمية، بل تعكس تصورًا ضمنيًا عن النازح بوصفه قادرًا على التكيّف مع إجراءات معقّدة، وعلى تأمين ما يُطلب منه من أوراق وتزكيات. وهو تصور لا ينسجم مع واقع النزوح، حيث تتحول أبسط الإجراءات إلى تحدٍّ يومي، ويصبح الوصول إلى المساعدة بحد ذاته عبئًا إضافيًا.
ولا تقلّ اللغة المستخدمة في الاستمارة إشكالية عن الشروط نفسها. فتعبير “من ذوي الحاجة الملحّة من المتعففين النازحين” يطرح تساؤلات حول المعايير الضمنية التي تُبنى عليها المساعدة. فمصطلح “المتعففين” يحمل بُعدًا أخلاقيًا قد يُشعر المتقدم بأنه موضع تقييم سلوكي، لا مجرد تقييم لحاجته الإنسانية. في ظروف النزوح، لا ينبغي ربط الاستحقاق بمفاهيم فضفاضة أو ذات طابع قيمي، بل بمعايير واضحة وعادلة.
لكن الإشكالية تتعمّق أكثر عند النظر إلى الواقع الميداني. فبعد مرور أكثر من شهر على النزوح، لم تعد الحاجة استثناءً أو حالة خاصة يمكن تصنيفها أخلاقيًا، بل أصبحت واقعًا عامًا يشمل غالبية العائلات. توقف مصادر الدخل، فقدان الوظائف، وارتفاع بدلات الإيجار بشكل غير مسبوق، كلها عوامل دفعت النازحين إلى ظروف معيشية قاسية تتجاوز بكثير أي توصيف لغوي نظري.
الزيارات الميدانية التي أجراها فريق “المسمار” تكشف صورة أكثر وضوحًا: منازل صغيرة لا تتسع لأكثر من خمسة أشخاص، باتت تؤوي أكثر من عشرة أفراد في كثير من الحالات. هذا الاكتظاظ ليس تفصيلاً هامشيًا، بل مؤشر مباشر على حجم الأزمة وعلى أن معيار “الحاجة الملحّة” لم يعد يميّز بين فئة وأخرى، لأن الحاجة أصبحت شبه شاملة.
في هذا السياق، يصبح استخدام مصطلحات انتقائية مثل “المتعففين” منفصلًا عن الواقع، بل وربما إقصائيًا بشكل غير مباشر. إذ كيف يمكن فرز “المتعفف” من غيره، في حين أن الجميع يواجه ذات الضغوط المعيشية القاسية؟ وكيف يمكن مطالبة النازح بإثبات مستوى معيّن من “التعفف”، بينما هو بالكاد قادر على تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة؟
إن مقاربة أكثر واقعية تقتضي الاعتراف بأن النزوح الجماعي يُنتج حالة من الحاجة العامة، لا الفردية فقط. وعليه، فإن أي آلية مساعدة يجب أن تنطلق من هذا الفهم، عبر توسيع دائرة الاستفادة وتبسيط المعايير، بدل تضييقها بمفاهيم لغوية وإجرائية قد لا تعكس حقيقة الأزمة على الأرض.
فالمساعدة، في نهاية المطاف، لا تُقاس فقط بحجمها، بل بمدى سهولة الوصول إليها.




