انتهت أمس جولة جديدة من المفاوضات الإيرانية–الأميركية غير المباشرة في جنيف، بإعلان سلطنة عُمان تحقيق «تقدّم كبير» والانتقال إلى اجتماعات فنية في فيينا الأسبوع المقبل. في الظاهر، يبدو المشهد إيجابيًا. لكن في السياسة الدولية، التفاؤل السريع غالبًا ما يكون أكثر تعقيدًا مما يوحي به البيان الرسمي.
وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي تحدث عن أجواء بنّاءة وشكر المفاوضين والجهات الداعمة. ومن الجانب الإيراني، أعلن المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي انتهاء مرحلة جديدة من المحادثات. كما أُفيد بأن الوفد الأميركي غادر مقر الاجتماعات بعد اختتام الجلسة. لا انهيار، ولا اختراق معلن. فقط تقدّم، وانتقال إلى مرحلة تقنية في فيينا حيث مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
لماذا هذا التقدّم مهم… ولماذا يجب الحذر؟
المهم في جنيف ليس مدة الاجتماع، بل ما سبقه. عادةً، لا يُعلن عن انتقال سريع إلى نقاشات فنية إلا إذا كانت هناك أرضية تفاهم سياسية جرى إعدادها مسبقًا عبر قنوات خلفية. بمعنى آخر، ما حدث أمس لم يكن اجتماعًا بروتوكوليًا، بل حلقة ضمن مسار أوسع.
لكن التجربة مع الملف النووي الإيراني علمتنا أن الطريق من «التقدّم» إلى «الاتفاق» مليء بالعقبات. فالتفاصيل التقنية: نسب التخصيب، حجم المخزون، آليات التفتيش، ورفع العقوبات, هي التي تُسقط أو تُنقذ أي تفاهم.
حسابات واقعية لا رومانسية سياسية
لا واشنطن غيّرت موقفها جذريًا، ولا طهران تخلّت عن أوراقها. ما يجمع الطرفين اليوم هو مصلحة مشتركة في خفض مستوى المخاطر. الولايات المتحدة لا تريد تصعيدًا جديدًا في منطقة مشتعلة أصلًا، وإيران تحتاج إلى متنفس اقتصادي ولو محدودًا.
لذلك، من الواقعي توقع تفاهم مرحلي أكثر من انتظار اتفاق شامل. اتفاق يجمّد بعض عناصر التصعيد مقابل تخفيف جزئي للعقوبات. حلّ مؤقت، لكنه قابل للحياة سياسيًا.
العقدة التي لا تختفي
السؤال الأصعب يبقى: كيف يمكن ضمان استمرارية أي اتفاق في ظل تقلب السياسة الأميركية؟ هذه النقطة تحديدًا كانت سببًا رئيسيًا في انهيارات سابقة. ومن دون آلية واضحة وملزمة، سيبقى أي تفاهم عرضة للاهتزاز.
بين التفاؤل والحذر
جنيف أعادت فتح نافذة دبلوماسية، وهذا بحد ذاته تطور مهم. لكن التاريخ القريب يذكّرنا بأن الملف النووي الإيراني يتحرك في دورات: تصعيد، تفاوض، تهدئة، ثم عودة إلى التوتر.
الاجتماعات المقبلة في فيينا ستكون الاختبار الحقيقي. هناك، بعيدًا عن العناوين العريضة، ستتحدد جدية المسار.
حتى ذلك الحين، يمكن القول إن ما حدث أمس ليس نهاية أزمة، ولا بداية مصالحة، بل خطوة محسوبة في لعبة توازن دقيقة، حيث كل طرف يحاول أن يربح دون أن يخسر أوراقه الأساسية.




