رغم تدفّق تمويلات ضخمة تحت عنوان “الدعم الاجتماعي ودعم النازحين” منذ بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2026، تشير الوقائع الميدانية إلى فجوة متزايدة بين ما يُعلن رسميًا وما يختبره المستفيدون فعليًا. تحقيق “المسمار” يرصد تعقيدات التسجيل، ضعف الوصول، وغياب الاستجابة، في مقابل خطاب رسمي يتحدث عن انتشار واسع وجهود مستمرة.
بوابة معقّدة للفئات الأكثر هشاشة
تبدأ الإشكالية من آلية التسجيل نفسها.
الرابط الإلكتروني “www.mosa-relief.com” المعتمد يشكّل عائقًا فعليًا أمام شريحة واسعة من المستفيدين المحتملين، خصوصًا في ظل التهجير القسري، وانقطاع الكهرباء، وضعف الإنترنت، وعدم توفر أجهزة إلكترونية لدى العديد من النازحين.
في هذا السياق، يتحول “التسجيل” من أداة تنظيم إلى أداة إقصاء غير مباشرة، تطرح تساؤلًا بنيويًا حول جدوى اعتماد أدوات رقمية لفئات تفتقر إلى الحد الأدنى من الوصول التكنولوجي.
خطاب رسمي… وواقع ميداني متناقض
في منشور علني، أكدت وزيرة وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية أن فرق الوزارة منتشرة في مختلف المناطق، وتعمل ميدانيًا لضمان عدم ترك أي عائلة دون دعم.
إلا أن مراجعة التفاعل على هذا المنشور تكشف اتجاهًا مغايرًا، حيث عبّر عدد كبير من المعلقين عن عدم تلقيهم أي مساعدة أو تواصل، ما يعكس فجوة واضحة بين الرواية الرسمية والتجارب الفردية.
شهادات ميدانية: نمط يتكرر
ضمن هذا التحقيق، تواصل فريق “المسمار” مع عدد من النازحين في مدارس ومنازل ضمن مناطق مختلفة.
النتيجة كانت متشابهة إلى حد كبير:
غياب المساعدات، وغياب الزيارات، وغياب أي تواصل مباشر مع الجهات المعنية.
ورغم أن هذه الشهادات لا تدّعي تمثيل جميع الحالات، إلا أن تكرارها يطرح تساؤلات جدية حول مدى فعالية الانتشار المعلن.
استجابة محدودة وقنوات غير فعّالة
محاولات التواصل مع الوزارة لم تسفر عن نتائج.
الهاتف المركزي بقي دون رد، فيما تبيّن أن الخط الساخن يقتصر عمله على أيام محددة، ما يحدّ من فعاليته في ظل أزمة تتطلب استجابة مستمرة.
هذا الواقع يعكس تحديًا في الجاهزية الإدارية لإدارة الأزمات، حيث لا تزال آليات التواصل تعمل ضمن أطر تقليدية لا تتناسب مع طبيعة الطوارئ.
تمويل متعدد الطبقات… وشفافية محدودة
تشير المعطيات إلى أن جزءًا كبيرًا من التمويل يُدار عبر منظمات دولية وبرامج غير مباشرة، ما يؤدي إلى تعدد الجهات المنفذة وتعقيد مسار الأموال.
ورغم أن هذا النموذج قد يكون مبررًا من ناحية إدارية، إلا أنه يطرح إشكالية في الشفافية، حيث يصبح من الصعب تتبع مسار التمويل بدقة، أو تحديد المسؤوليات عند حدوث خلل في الوصول.
فجوة ثقة تتسع
التحقيق لا ينفي وجود مساعدات، لكنه يسلّط الضوء على خلل واضح في الوصول والتوزيع.
الفجوة بين الخطاب الرسمي والتجربة الميدانية لم تعد تفصيلًا، بل أصبحت عاملًا أساسيًا في تآكل الثقة.
في الأزمات، لا يُقاس نجاح برامج الدعم بحجم التمويل المعلن، بل بمدى وصوله الفعلي إلى المستفيدين.
وفي الحالة الراهنة، تشير المؤشرات إلى أن هذه المعادلة لا تزال مختلّة.




