لم تعد قضية الشخص الذي عُرف إعلاميًا باسم «أبو عمر» مجرّد حادثة نصب واحتيال فردية، بل تحوّلت إلى واقعة سياسية كاشفة لبنية عميقة من الخلل في الحياة العامة اللبنانية. فالملف، بما يحمله من معطيات أمنية وسياسية، يطرح أسئلة تتجاوز هوية المحتال لتطال طبيعة الزعامة، ومفهوم الشرعية، وحدود العلاقة بين الداخل اللبناني والخارج الإقليمي.
من حادثة أمنية إلى ملف سياسي
وفق معلومات أمنية لبنانية، أوقفت مخابرات الجيش شخصًا لبنانيًا من منطقة وادي خالد – عكار، بعد الاشتباه بانتحاله صفة «مسؤول في الديوان الملكي السعودي» وإجرائه اتصالات سياسية مع شخصيات لبنانية نافذة. التوقيف جاء عقب طلب رسمي من جهات سعودية، ما منح القضية بعدًا سياديًا ودبلوماسيًا واضحًا، وحوّلها من قضية احتيال إلى ملف يمس صورة الدولة وعلاقاتها الخارجية.
المتهم لم يمتلك أي صفة رسمية أو قناة اتصال موثّقة، ولم يظهر في أي مناسبة علنية أو وثيقة رسمية. كل ما استند إليه كان رقم هاتف أجنبي، لهجة خليجية متقنة، وخطاب يوحي بالاطلاع على «دوائر القرار»، وهو ما كان كافيًا لإقناع شخصيات سياسية يفترض أنها خبِرت العمل العام وآلياته.
وعود خارج المؤسسات
اعتمد «أبو عمر» على تقديم نفسه كوسيط غير رسمي بين سياسيين لبنانيين ومرجعيات سعودية، مستخدمًا لغة ضبابية تقوم على الوعود المؤجّلة: «الملف قيد المعالجة»، «القرار سيصدر في الوقت المناسب»، «التوجيهات لم تكتمل بعد». هذا الأسلوب، المعروف في سياقات النفوذ غير الرسمي، لا يقدّم التزامًا واضحًا ولا يترك أثرًا قانونيًا، لكنه يراهن على الطموح السياسي والرغبة في استعادة النفوذ.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الوعود شملت دعمًا انتخابيًا، تسهيلات سياسية، أو وعودًا بمناصب سيادية. العامل الحاسم في نجاح هذه الخدعة كان توظيف عنوان «الدعم الخارجي» كأداة إقناع، في بيئة سياسية اعتاد فيها بعض الفاعلين البحث عن الشرعية خارج الحدود أكثر مما يسعون لبنائها داخليًا.
سقوط النخب قبل سقوط المحتال
الجانب الأكثر إحراجًا في القضية أن الضحايا لم يكونوا مواطنين عاديين، بل سياسيين ونوابًا وشخصيات حزبية. بعضهم – بحسب ما نُقل في الإعلام اللبناني – دفع أموالًا، وآخرون أعادوا ترتيب تحالفاتهم وحساباتهم السياسية بناءً على وعود هاتفية غير موثّقة.
هنا، لا تكمن الخطورة في فعل الاحتيال بحد ذاته، بل في القابلية السياسية لتصديقه. هذه القابلية تكشف أزمة أعمق في العقل السياسي اللبناني، حيث يُنظر إلى الخارج كمصدر للشرعية، ويُهمّش دور المؤسسات الدستورية والتمثيل الشعبي.
لحظة الانكشاف
بدأت الشكوك تتبلور قبل أشهر، عندما تواصل بعض المتضررين مع جهات مطلعة على طبيعة العلاقات اللبنانية–السعودية. وفي واقعة وُصفت بالمفصلية، تزامن رنين هاتف «أبو عمر» مع هاتف شخص كان موجودًا في المكان نفسه أثناء محاولة الاتصال، ما دفع إلى متابعة أمنية دقيقة انتهت بتوقيفه وجمع تسجيلات صوتية ومواد يُعتقد أنها تتضمن اعترافات بانتحال الصفة.
دلالات سياسية أوسع
تكشف هذه القضية مجموعة من الإشكاليات البنيوية:
ضعف الثقة بالشرعية الشعبية والمؤسسات الدستورية.
استعداد بعض السياسيين لتجاوز القنوات الرسمية لصالح وسطاء غير معروفين.
سوء فهم لطبيعة العلاقات الدولية، وافتراض أن دولًا كبرى تُدار عبر مكالمات هاتفية ووساطات شخصية.
كما تطرح القضية تساؤلات حول مسؤولية النخب السياسية في حماية صورة الدولة، وعدم الزج باسم دول أخرى في صراعات داخلية أو طموحات شخصية.
المسار القضائي والارتدادات
بحسب مصادر سياسية مواكبة للملف، يتجه المسار القانوني نحو ملاحقات بتهم النصب والاحتيال وانتحال الصفة، مع احتمال توسّع التحقيقات لكشف شركاء أو مستفيدين. حساسية القضية، وارتباطها بأسماء من الشأن العام، تجعل من الصعب طيّها سريعًا، خصوصًا لما تمثله من مساس بثقة الداخل والخارج بالدولة اللبنانية.
ما بعد «الأمير الوهمي»
قضية «أبو عمر» ليست استثناءً في التاريخ السياسي اللبناني، بل حلقة إضافية في سلسلة أوهام سياسية بُنيت على «إشارات» و«أضواء خضراء» منسوبة إلى الخارج. لكنها، في الوقت نفسه، تشكّل فرصة نادرة لإعادة طرح سؤال جوهري:
كيف تُصنع الزعامة في لبنان؟ وهل ما زال بعض السياسيين يعتقد أن الشرعية تُمنَح عبر الهاتف، لا عبر الناس؟
ما سقط في هذه القضية ليس شخصًا فقط، بل نموذجًا كاملًا من الممارسة السياسية. نموذج يراهن على الوهم بدل العمل، وعلى الخارج بدل الداخل، وعلى الطموح الفردي بدل الشرعية الشعبية. ومع سقوط هذا الوهم، تعود حقيقة أساسية لتفرض نفسها: لا زعامة بلا تمثيل، ولا نفوذ بلا ثقة الناس، ولا سياسة مستقرة بلا دولة ومؤسسات.



