في تطور لافت، نُفِّذت ضربات جوية صباح السبت على أهداف داخل إيران، في خطوة خرجت عن النمط العملياتي المعتاد الذي درج على تنفيذ الهجمات ليلاً. ووفق ما نقلته هيئة البث الإسرائيلية، فإن التوقيت شكّل مفاجأة على المستوى التكتيكي، رغم غياب عنصر المفاجأة الاستراتيجية في ظل الحشد العسكري والتصعيد المتراكم في الإقليم.
بين الاستراتيجية والتكتيك: أين تكمن المفاجأة؟
العميد إلياس حنا، الخبير العسكري والاستراتيجي، قدّم قراءة تفصل بين المستويين الجيوسياسي والعملياتي. فبحسب تقديره، لم تكن هناك مفاجأة استراتيجية، نظراً لتراكم المؤشرات على تصعيد محتمل، وارتفاع الجاهزية الدفاعية لدى طهران. إلا أن عنصر المفاجأة تمثل في التوقيت النهاري وطبيعة الأهداف.
اللافت أن الضربات، وفق المعطيات المتداولة، لم تركّز على تحييد الدفاعات الجوية كما هو مألوف في الموجات الافتتاحية للعمليات الجوية واسعة النطاق، بل اتجهت مباشرة إلى استهداف منظومات عسكرية وأمنية داخل العاصمة ومواقع استراتيجية أخرى. هذا النمط يوحي بعملية تستهدف تقليص الجاهزية القيادية والعملياتية، وليس مجرد توجيه ضربة ردعية رمزية.
نجاح هذا النوع من العمليات يرتبط، بالدرجة الأولى، بدقة المعلومات الاستخبارية، وقدرة المنفذ على إصابة مفاصل حساسة من دون الانجرار إلى مواجهة شاملة. ومع أن القيادة الإيرانية سبق أن عمدت إلى تعيين بدائل في مواقع حساسة لضمان استمرارية القيادة في حال الاستهداف، فإن أي اختراق دقيق قد يترك أثراً على سرعة اتخاذ القرار والتنسيق الميداني.
استنفار إسرائيلي وتحسب لتوسّع المواجهة
في موازاة الضربات، أشارت صحيفة معاريف إلى نشر الجيش الإسرائيلي الفرقة 91 على الحدود مع لبنان واستدعاء قوات احتياط، في خطوة تعكس تقديراً بإمكانية توسع رقعة الرد. ويأتي ذلك في ظل استنفار معلن من وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي أكد أن العملية تُنفَّذ بتنسيق كامل مع الولايات المتحدة.
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أشار في تصريحاته إلى أن الهدف يتجاوز استهداف مواقع عسكرية محددة، ليمسّ جوهر النظام الإيراني نفسه. هذا الخطاب يرفع سقف العملية من إطار “الردع التكتيكي” إلى ما يشبه “إعادة تشكيل البيئة السياسية”، وهو انتقال بالغ الحساسية في معادلات الصراع.
لماذا السبت؟ دلالات التوقيت
اختيار يوم السبت لم يكن تفصيلاً عابراً. في القراءة الإسرائيلية الداخلية، يمثل السبت ذروة “الهدوء المدني”، حيث تتراجع الحركة العامة والنشاط الاقتصادي. هذا العامل يسهّل إدارة الجبهة الداخلية في حال وقوع رد صاروخي، ويقلّص الخسائر المحتملة. كما أن تزامن العملية مع حالة تأهب مكتملة لدى منظومات الطوارئ يمنح صانع القرار هامشاً أوسع للمخاطرة المحسوبة.
لكن من منظور إقليمي أوسع، يثير التوقيت تساؤلات: هل هو رسالة ثقة بقدرة الدفاعات الإسرائيلية على امتصاص الرد؟ أم أنه محاولة لاستباق مسار تصعيد كان يُخشى أن يبدأ من طرف آخر؟ أم أنه جزء من تنسيق دولي أوسع يهدف إلى فرض وقائع جديدة قبل استحقاقات سياسية قادمة؟
بين الردع والتصعيد
التحول من ضربات ليلية محدودة إلى هجوم نهاري يستهدف مراكز حساسة يحمل في طياته رسالة مزدوجة: رفع مستوى الجرأة العملياتية، واختبار حدود الرد الإيراني. غير أن هذا النمط يحمل مخاطر تصعيد متدرج قد لا يبقى تحت السيطرة إذا قررت طهران الرد عبر أذرعها الإقليمية أو بوسائل غير تقليدية.
المعادلة الآن لا تتوقف عند دقة الضربة، بل عند كيفية إدارة ما بعدها: هل ستنجح إسرائيل في تثبيت معادلة ردع جديدة؟ أم أن العملية ستفتح الباب أمام دورة تصعيد أوسع، تتجاوز الحسابات التكتيكية إلى إعادة رسم خطوط الاشتباك في المنطقة؟
في المحصلة، الهجوم النهاري ليس مجرد تفصيل زمني، بل مؤشر على تحول في فلسفة إدارة الصراع. وبين حسابات الردع والرهانات السياسية، يبقى السؤال الأهم: هل كانت الضربة بداية مرحلة جديدة، أم مجرد فصل متقدم في صراع طويل مفتوح على احتمالات متعددة؟




