تشهد سوق الأصول الرقمية مرحلة دقيقة تتسم بارتفاع التقلبات وضعف المعنويات، رغم تسجيل ارتداد طفيف في نهاية الأسبوع. فبعد موجة بيع واسعة، فقدت العملات المشفرة أكثر من 23% من قيمتها السوقية منذ بداية العام، لتنخفض القيمة الإجمالية إلى نحو 2.29 تريليون دولار وقت إعداد هذا التقرير.
وتراجعت Bitcoin، أكبر العملات المشفرة من حيث القيمة السوقية، بنحو 23–24% منذ مطلع العام، متداولة قرب مستوى 66.8 ألف دولار، بعدما اقتربت الأسبوع الماضي من 60 ألف دولار قبل أن تعود للارتفاع نسبيًا. أما Ethereum، ثاني أكبر الأصول الرقمية، فقد خسرت نحو 34% من قيمتها لتتداول عند مستويات تقارب 1955 دولارًا، متأثرة بموجة بيع أوسع في القطاع.
تدفقات خارجة تضغط على الأسعار
يأتي هذا التراجع في ظل استمرار خروج الأموال من الصناديق المتداولة في البورصة (ETFs) المرتبطة بالعملات المشفرة، وهي أداة استثمارية تمثل بوابة رئيسية للمؤسسات المالية التقليدية.
فقد سجلت صناديق بتكوين تدفقات خارجة تقدر بنحو 7.9 مليارات دولار خلال الفترة الماضية، من بينها 1.8 مليار دولار منذ بداية العام. كما شهدت صناديق إيثريوم سحوبات بلغت 3.2 مليارات دولار، منها 462 مليون دولار هذا العام.
هذه الأرقام تعكس تحولات واضحة في سلوك المستثمرين المؤسسيين، إذ تؤدي التدفقات الخارجة إلى تراجع السيولة وارتفاع حساسية السوق لأوامر البيع، ما يفاقم من حدة التقلبات ويعزز الضغوط السعرية.
إشارات سلبية من سوق المشتقات
تزامن التراجع مع استقرار معدلات التمويل (Funding Rates) لعقود بتكوين الدائمة دون الصفر، وهو مؤشر يعكس هيمنة المراكز البيعية قصيرة الأجل. وعادة ما يشير التمويل السلبي إلى توقعات بهبوط إضافي في المدى القريب، ما يعزز مناخ الحذر بين المتعاملين.
ورغم أن هذه البيئة قد تمهد أحيانًا لارتدادات فنية مفاجئة نتيجة تغطية المراكز البيعية، فإن الاتجاه العام لا يزال خاضعًا لضغوط مرتبطة بالعوامل الكلية.
تأثير العوامل الكلية والسياسة النقدية
لا يمكن فصل أداء العملات المشفرة عن السياق الاقتصادي العالمي. فالأصول الرقمية ترتبط بدرجة ملحوظة بأسواق الأسهم، خصوصًا قطاع التكنولوجيا، ما يجعلها شديدة التأثر بتحولات السياسة النقدية الأميركية، ومستويات السيولة العالمية، وحركة الدولار.
وفي بيئة تتسم بتشدد نقدي نسبي وارتفاع تكاليف التمويل، تميل المحافظ الاستثمارية إلى تقليص الانكشاف على الأصول عالية المخاطر. كما تلعب التوترات الجيوسياسية – من النزاعات التجارية بين الولايات المتحدة والصين إلى التوترات الإقليمية في آسيا والشرق الأوسط – دورًا في تعزيز العزوف عن المخاطرة.
البعد التنظيمي… رهان متوسط الأجل
تتجه الأنظار إلى الكونغرس الأميركي في ظل مناقشات حول تشريع ينظم سوق الأصول الرقمية بشكل أكثر وضوحًا. ويرى محللون أن إقرار إطار تنظيمي شامل في الولايات المتحدة قد يرسخ معايير عالمية نظرًا لحجم السوق الأميركي، خاصة في ظل اختلاف المقاربات التنظيمية في أوروبا والأسواق الناشئة.
ورغم النظرة الإيجابية تجاه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة Donald Trump باعتبارها أكثر دعمًا للقطاع، فإن الأثر الفعلي لأي تشريع سيظل مرتبطًا بالظروف النقدية العالمية ومدى عودة التدفقات المؤسسية.
توقعات 2026: تفاؤل مشروط
على المدى البعيد، تشير بعض التقديرات إلى إمكانية ارتفاع بتكوين إلى نطاق يتراوح بين 150 و180 ألف دولار بحلول 2026، مدعومة بعودة التدفقات إلى الصناديق المتداولة وتوسع استخدام العملات المستقرة. كما يُتوقع أن ترتفع إيثريوم إلى نطاق 5–6 آلاف دولار بدعم من دخول مؤسسات مالية تقليدية إلى منظومة التمويل اللامركزي.
غير أن هذه السيناريوهات تبقى مشروطة بتحسن بيئة السيولة العالمية واستقرار العوامل الجيوسياسية، إضافة إلى استمرار تبني الأطر التنظيمية الداعمة.
بين التصحيح وإعادة التموضع
المشهد الحالي يعكس مرحلة إعادة تموضع أكثر منه انهيارًا هيكليًا. فالأسواق تمر بدورات طبيعية من التوسع والانكماش، غير أن وتيرة التراجع هذا العام تكشف هشاشة الزخم السابق واعتماد القطاع المتزايد على السيولة المؤسسية.
وفي ظل غياب محفزات قوية على المدى القريب، يُرجح أن تبقى سوق العملات المشفرة في نطاق تذبذب مرتفع، بانتظار وضوح اتجاه السياسة النقدية الأميركية وعودة الثقة الاستثمارية.
حتى ذلك الحين، سيظل المستثمرون يتعاملون مع السوق بحذر، بين رهانات طويلة الأجل على التحول الرقمي للنظام المالي، وضغوط قصيرة الأجل تفرضها دورة السيولة العالمية.


