في المسافة الفاصلة بين علم الأرقام وحرية اللون، تبلورت ملامح الهوية الفنية للفنانة التشكيلية زينب حمود. هناك، حيث لا تخضع المشاعر لمنطق العرض والطلب، وجدت ذاتها الحقيقية، واكتشفت أن اللوحة يمكن أن تكون وطناً بديلاً، وملاذاً آمناً، ومرآة صادقة تعكس انكسارات الروح وآمالها معاً.

لم يكن انتقال حمود من دراسة الاقتصاد إلى عالم الريشة والألوان مجرّد تبدّل مسار مهني، بل قراراً وجودياً فرضته لحظة إنسانية عميقة. ففي مرحلة شخصية قاسية، حين ضاقت الخيارات واختلّت التوازنات، لم تجد أمامها سوى اللوحة مساحة للتنفّس، ووسيلة لترجمة مشاعر متناقضة عجزت الكلمات عن احتوائها. هكذا تحوّل الرسم من هواية قديمة إلى فعل خلاص، ومن تجربة محفوفة بالمخاطرة إلى مسار إيمان بأن الأحلام، مهما بدت بعيدة، قادرة على أن تصبح واقعاً.

في أعمالها، تتجلّى علاقة حمود الحميمة بالطبيعة. الحقول، القرى، ألوان المغيب، والبيوت القديمة ليست مجرّد موضوعات تشكيلية، بل امتدادات داخلية لروح تبحث عن أفق لا تحدّه الجغرافيا. تنتمي إلى المدرسة الانطباعية، حيث اللون هو البطل، والمشهد يُلتقط كوحدة شعورية متكاملة لا كمجموعة تفاصيل. إنها ترسم الإحساس قبل الشكل، والانطباع قبل الدقّة، في محاولة للإمساك باللحظة الهاربة قبل أن تتبدّد.

أما المشاعر التي تسكن لوحاتها، فلا تخفي حمود أن الحزن يحتل مساحة أساسية في تجربتها. غير أن هذا الحزن، كما تصفه، ليس ضعفاً بل طاقة خلاقة تمنح العمل صدقه وعمقه. أثناء الرسم، يتبدّل حضورها؛ يطغى التركيز، ويظهر الغضب أحياناً، كأنها تفرغ كل ما تراكم في داخلها دفعة واحدة، وتسكبه على القماش بلغة اللون. ومع ذلك، لا يغيب الفرح ولا الأمل ولا الحب، فهي حاضرة بين الخطوط حتى في أكثر اللوحات شجناً.

تقول حمود إن كل الأشياء، في نظرها، تحمل روحاً وحالة، حتى ما نسمّيه جماداً. فلكل عنصر حضوره، ولكل مشهد حكايته الخاصة. في عملها الفني، لا تسعى إلى وصف هذه القصص كما هي، بل إلى إعادة سردها عبر الخط واللون، وفق ما تراه وتشعر به. هي لا تنقل الواقع، بل تكشف ما يختبئ خلفه من أثر وذاكرة وحركة. في اللوحة، لا يكون الشكل غاية، بل وسيلة للنفاذ إلى الجوهر؛ الخط يتحوّل إلى أثر، واللون إلى حالة، والمساحة إلى صمت مفتوح على التأويل. وبهذا المعنى، يصبح الفن فعلاً من أفعال الإنصات، ومحاولة دائمة لفهم العالم لا كما يبدو، بل كما يُحَسّ.

زينب حمود لا ترى الفن صناعة للربح بقدر ما تراه فعلاً إنسانياً يمنح الفرح، ومحاولة صادقة لترك أثر في هذا العالم. في لوحاتها، لا نرى ألواناً فحسب، بل نقرأ سيرة داخلية مكتوبة بالضوء والظل، ونلمس فنانة اختارت الإصغاء لنداء روحها، ومنحت هشاشتها قوة التعبير، وجعلت من الفن مساحة للصدق، والأمل، والاحتمال المفتوح.




