كأنّ الله، حين اختار لفيروز صوتها، اختار في المقابل أن يحمّل قلبها ما لا يُقال. كأنّ العظمة لا تُمنح كاملة، بل تُقايَض دائماً بوجعٍ خفي، لا يراه الجمهور ولا يسمعه التصفيق. فبينما كانت تغنّي للضوء، كانت تعيش في ظلّه؛ وبينما كانت تهدهد ذاكرة الشعوب، كانت تهدهد وجعها وحدها.
هلي الرحباني لم يكن اسماً في الصحف، ولا صورةً في أرشيف المجد، بل كان صلاةً تمشي على عجلات. كان اختباراً يومياً لمعنى الأمومة، ومعنى الصبر، ومعنى أن تحبّ إنساناً لا يردّ لك الحب بالكلام، بل بالوجود. ستة عقود عاشها وكأنه خارج الزمن، لا يلهث وراء شيء، ولا ينافس أحداً، فقط كان… وكان ذلك كافياً ليغيّر كل من حوله.
فيروز، التي وقفت أمام الملوك والرؤساء، انحنت أمام سرير ابنها. هي التي اعتادت أن تُضاء لها المسارح، كانت تضيء له الليل. أطعمته بيديها، وربّتت على وجعه، وحمته من عالم لا يرحم الضعفاء. لم تقدّمه كحكاية للشفقة، ولم تسمح بأن يُستَخدم كرمز، بل أبقته في حرمة البيت، حيث الحب لا يحتاج إلى شهود.
وجود هلي كان رسالة صامتة داخل بيتٍ عرف الشهرة مبكراً. كأنّه جاء ليذكّرهم أن المجد قد يُفسد الروح إن لم يحرسه التواضع. علّمهم أن الإنسان لا يُقاس بما ينجزه، بل بما يحتمله. وبصمته، كان يصرخ: ليست القوة في الوقوف، بل في البقاء.
وحين رحل، لم يترك فراغاً عادياً. ترك صمتاً أثقل من الكلام. لأن هذا الرحيل لم يكن خسارة شخص، بل نهاية زمن من الرعاية اليومية، من القلق، من الحب الذي يُمارس كواجب مقدّس. رحل، ومعه جزء من الدور الذي لعبته فيروز بعيداً عن المسرح، الدور الذي لا تصفيق له.
وما أقسى أن تتوالى الفواجع على قلبٍ واحد. كأنّ هذا البيت، الذي أهدى الناس أجمل ما غنّوا، كُتب عليه أن يدفع من لحمه الحي. غياب بعد غياب، كأنّ الموت يعرف الطريق جيداً إليه. ومع كل فقد، كانت فيروز تصمت أكثر، كأن الكلمات تسقط واحدةً تلو الأخرى من داخلها.
هلي لم يكن هامشاً في هذه العائلة، بل كان مركزها الأخلاقي. هو الذي حماهم من وهم العظمة، وربطهم بالبساطة، وذكّرهم أن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى أضواء. رحل من دون أن يترك ضجيجاً، لكنه ترك أثراً لا يمحوه الزمن.
أما فيروز، فستبقى واقفة. لا لأن الألم لم يكسرها، بل لأنه علّمها كيف تقف مكسورة من الداخل، ومتماسكة في الخارج. ستبقى تغنّي، لا لأن قلبها بخير، بل لأن الغناء كان دائماً طريقتها الوحيدة للبقاء.




