ليست فاطمة أيوب شاعرة تعبر المنصّات ثم تمضي، بل هي من أولئك الذين يحملون الشعر كحالة وجود، ويجعلون منه جسرًا بين الذاكرة والجمال، بين الألم والضوء. شاعرة وفنانة تشكيلية، تنتمي إلى جيل يرى في الكلمة مسؤولية، وفي الفن فعل مقاومة ناعم في وجه القسوة.
في مدينة الموصل، التي ما زالت تلمّ شظاياها وتعيد ترتيب نبضها الثقافي، حضرت الشاعرة اللبنانية فاطمة أيوب إلى مهرجان أبي تمّام الشعري في دورته السابعة، ممثلة “ملتقى الألوان الفني”، ضمن فعالية ثقافية جمعت أصواتًا شعرية من بلدان عربية عدة. لم يكن حضورها حدثًا عابرًا، بل مشاركة حملت في طياتها بعدًا إنسانيًا وروحيًا عميقًا، في مدينة تعرف جيدًا معنى الفقد، لكنها لا تزال تؤمن بأن الحياة أقوى.
بالنسبة لأيوب، لم تكن المشاركة مجرّد إلقاء قصيدة، بل “رحلة روحية”، كما وصفتها، رحلة أعادت تشكيل نظرتها للجمال، وأضاءت شيئًا في الداخل. رأت الموصل تمشي “على قدمَي الضوء”، مدينة لا تستسلم لذاكرة الخراب، بل تحوّل جراحها إلى نداء للحياة، وإلى قصيدة مفتوحة على الأمل.
في كلماتها عن المهرجان، يتجلّى حسّها الشعري والإنساني معًا. لم تتحدث عن التنظيم أو المنصة فقط، بل عن الورد الذي استقبلهم، وعن الشعر الذي تسلّل من شقوق الجدران كأنه ذاكرة المدينة كلّها. هناك، حيث يلتقي التاريخ بالحب، وحيث يصبح الشعر لغة جامعة، شعرت بأن الحقائب التي عادت بها لم تكن مليئة بالهدايا، بل “بنور القلوب”.
فاطمة أيوب، الحاصلة على ماجستير في الأدب العربي، ليست ابنة القصيدة وحدها، بل ابنة المعرفة والتجربة. صدر لها ديوانها الشعري “دحنون”، ذلك الاسم الذي يختصر رمزًا للحياة، والحنين، والجرح الجميل. كما حصدت عدة جوائز شعرية، جاءت كتتويج لمسار إبداعي هادئ، بعيد عن الضجيج، قريب من الجوهر.
ما يميّز تجربة أيوب هو هذا التوازن بين الشاعرة والفنانة التشكيلية، بين الصورة والكلمة، بين اللون والإيقاع. هي لا تكتب لتقول، بل لتُشعر، ولا ترسم لتزيّن، بل لتكمل ما لم تقله القصيدة. حضورها الثقافي يشبهها: ناعم، عميق، ومضيء دون ادّعاء.
في زمن تتعب فيه اللغة من الاستهلاك، تأتي فاطمة أيوب لتذكّر بأن الشعر ما زال قادرًا على أن يكون ملاذًا، وأن المدن، مهما أثقلها الخراب، تستطيع أن تنهض إذا ما وجد من يراها بعين القلب. هي صوت يؤمن بأن الجمال ليس ترفًا، بل ضرورة، وبأن الكلمة الصادقة قادرة، ولو بهدوء، على أن تقول: الحياة أقوى.




