شهد اليمن تطورًا سياسيًا بالغ الأهمية مع إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي بكافة هيئاته ومكاتبه في الداخل والخارج، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة منذ تأسيس المجلس. الإعلان، الذي بثه التلفزيون الرسمي ونقلته قناة الجزيرة، جاء على لسان الأمين العام للمجلس عبد الرحمن الصبيحي من العاصمة السعودية الرياض، واضعًا حدًا لمرحلة سياسية وعسكرية مثيرة للجدل في تاريخ الصراع اليمني.
خلفيات القرار ودلالاته
بحسب ما أُعلن، فإن حل المجلس جاء استجابة لمبادرة تقودها المملكة العربية السعودية لرعاية حوار جنوبي شامل، يهدف إلى بلورة تصور عادل لقضية الجنوب ضمن إطار سياسي منظم. وأكد الصبيحي أن استمرار المجلس في ظل المستجدات الأخيرة لم يعد يخدم الهدف الذي أُنشئ من أجله، مشددًا على أن القضية الجنوبية أكبر من أي كيان سياسي أو طموح سلطوي.
القرار يعكس، في جوهره، اعترافًا ضمنيًا بفشل المسار العسكري في تحقيق مكاسب سياسية دائمة، خصوصًا بعد الخسائر الميدانية التي تكبدها المجلس عقب المواجهات العنيفة مع القوات الحكومية وقوات “درع الوطن” في حضرموت والمهرة وأبين وشبوة.
تصاعد المواجهات وتراجع النفوذ
خلال ديسمبر/كانون الأول 2025، دخل اليمن مرحلة تصعيد خطير بعد سيطرة قوات المجلس الانتقالي على محافظتي حضرموت والمهرة، وهما من أكبر المحافظات اليمنية مساحة وأكثرها حساسية جغرافيًا. غير أن هذه السيطرة لم تدم طويلًا، إذ تمكنت القوات الحكومية من استعادة المحافظتين، لتتقلص مناطق نفوذ المجلس إلى أجزاء محدودة من عدن والضالع.
هذا التراجع الميداني، إلى جانب الضغوط الإقليمية والدولية، أسهم في تهيئة المناخ لخطوة الحل، التي قُدمت على أنها محاولة لإنقاذ القضية الجنوبية من مزيد من العزلة والانقسام.
انقسام داخلي وانتقادات متبادلة
لم يخلُ المشهد من تبادل الاتهامات، إذ أشار مستشار الرئاسة اليمنية ثابت الأحمدي إلى أن قرارات التصعيد الأخيرة اتخذها رئيس المجلس عيدروس الزبيدي بشكل منفرد ودون الرجوع إلى مؤسسات المجلس، معتبرًا أنها ألحقت ضررًا مباشرًا بالقضية الجنوبية نفسها. كما أُثير جدل واسع حول مغادرة الزبيدي إلى الإمارات في ذروة الأزمة، ما عمّق الانقسامات داخل الصف الجنوبي.
نحو مسار حوار جديد
الدعوة السعودية لعقد مؤتمر جنوبي شامل، والتي جاءت بطلب من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، فتحت نافذة أمل لإعادة ترتيب البيت الجنوبي على أسس سياسية لا عسكرية. ويعوّل مراقبون على أن يشكل هذا المؤتمر منصة جامعة لمختلف المكونات الجنوبية، بعيدًا عن الإقصاء واحتكار التمثيل.
خلاصة المشهد
إن حل المجلس الانتقالي الجنوبي لا يعني نهاية القضية الجنوبية، بل قد يشكل بداية مرحلة جديدة قوامها الحوار السياسي بدل السلاح. ويبقى نجاح هذا المسار مرهونًا بمدى جدية الأطراف اليمنية، ودور الرعاية الإقليمية، وقدرتها على تحويل هذه اللحظة المفصلية إلى فرصة حقيقية لاستقرار اليمن ووحدة أراضيه، مع معالجة عادلة لجذور المظالم الجنوبية ضمن دولة تتسع لجميع أبنائها.




