في خضم التحولات الرقمية المتسارعة، يتردّد سؤال بمرارة في أوساط كثيرة: هل فقد جيل اليوم ثقافته العربية ووعيه الحضاري؟ وهل تحوّل من جيلٍ قارئٍ مفكّر إلى جيلٍ مستهلكٍ سريع الانفعال، يتلقّى ولا يُحلّل، يردّد ولا يناقش؟
قد يبدو هذا الحكم قاسيًا، لكنه يعكس قلقًا مشروعًا. فالمشهد العام يكشف تراجعًا واضحًا في حضور النقاشات الفكرية العميقة، وانحسار الجلسات الثقافية التي كانت يومًا فضاءً للحوار وتبادل الرؤى. في المقابل، تصاعد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها المصدر الأول للمعلومة، حيث تختزل القضايا الكبرى في مقاطع قصيرة وشعارات حادّة، وتُستبدل الحجة بالعاطفة، والتحليل بالاصطفاف.
غير أن المسألة أعقد من مجرد لوم جيل بأكمله. فالثقافة ليست مجموعة معلومات عن الإمبريالية أو عن أحداث تاريخية كـ الثورة البلشفية، ولا هي معرفة بأسماء شخصيات مثل فلاديمير لينين فحسب. الثقافة في جوهرها هي القدرة على فهم السياق، وربط الماضي بالحاضر، وتحليل الواقع بوعي نقدي مستقل.
المشكلة الحقيقية تكمن في غياب التربية النقدية، لا في نقص الذكاء أو الإمكانات. فجيل اليوم يمتلك أدوات معرفية لم تكن متاحة سابقًا، لكنه يفتقر إلى منظومة تعليمية وإعلامية تُعلّمه كيف يفكّر، لا ماذا يفكّر. حين يغيب هذا الأساس، يصبح من السهل أن يحلّ التلقين محلّ الحوار، وأن يتحوّل الشيخ أو الأستاذ أو القائد إلى مرجعية نهائية غير قابلة للنقاش.
هذا النمط من الاتباع لا يقتصر على الحاضر، بل هو جزء من تاريخ سياسي طويل في لبنان والمنطقة، حيث طغت الزعامات على المؤسسات، وغلب الولاء الطائفي على المواطنة. ولذلك، فإن الحديث عن بناء دولة ديمقراطية خارج القيد الطائفي يتطلب أكثر من خطاب حماسي. إنه يستدعي مشروعًا إصلاحيًا متكاملًا يعيد الاعتبار لفكرة المواطن الحرّ، لا التابع.
لقد عرف لبنان في مراحل معينة تجارب حاولت تجاوز الانقسامات الضيقة، مثل جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، التي جمعت أطيافًا متعددة تحت هدف وطني جامع. غير أن نجاح أي تجربة مماثلة في الحاضر مرهون بوجود رؤية واضحة، وبرنامج سياسي واقتصادي يعالج أزمات الناس اليومية، لا بمجرد استعادة شعارات الماضي.
إن تحويل لبنان إلى دائرة وطنية واحدة لا يكون بإلغاء التنوّع، بل بإدارته ضمن إطار مدني جامع. دولة القانون والمؤسسات لا تقوم على الغلبة ولا على الاصطفاف، بل على عقد اجتماعي يعترف بالتعددية ويحميها في آنٍ واحد. والديمقراطية الحقيقية لا تُبنى بقرارات فوقية، بل بثقافة سياسية تُرسّخ قيمة الحوار والمساءلة.
الحنين إلى زمنٍ ثقافي مضى مفهوم، لكنه لا يكفي. المطلوب اليوم هو إعادة إحياء المساحات الفكرية المستقلة، وتطوير مناهج تعليمية تعلّم الطلاب التفكير النقدي، وتشجيع الإعلام الرصين الذي يضع الوقائع في سياقها بدل أن يلهث خلف الإثارة.
أزمة الجيل ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة تراكمات سياسية وتعليمية وثقافية. وإذا كان ثمة فقدان، فهو فقدان المشروع الوطني الجامع أكثر مما هو فقدان القدرة على التفكير. حين يُستعاد هذا المشروع على أسس مدنية وديمقراطية، يمكن للثقافة أن تعود فاعلة، وللحب أن يصبح قيمة عامة لا شعارًا عابرًا.
السؤال ليس: ماذا فقد جيل اليوم؟
بل: أي بيئة صنعنا له؟ وأي مستقبل نريد أن نصنعه معه؟




