تغرق المنصات العربية في موجة من التهويل: “ساعة الصفر”، “الضربة الأخيرة”، و”تشيرنوبل الخليج”. هذا الخطاب لا يفتقر إلى عناصر القلق، لكنه يقفز سريعًا من توصيف التصعيد إلى الجزم بانفجار شامل ووشيك. هنا تحديدًا تكمن المشكلة: الخلط بين خطورة اللحظة وحتمية الكارثة.
المعطيات الأساسية واضحة. مهلة أميركية معلنة تنتهي مساء الثلاثاء بتوقيت واشنطن، تهديدات مباشرة بضرب البنية التحتية الإيرانية، ورفض إيراني لهدنة مؤقتة لا تتضمن مسارًا سياسيًا واضحًا. في المقابل، وساطات إقليمية تتحرك على إيقاع متسارع لمحاولة انتزاع تسوية مرحلية. هذه ليست مؤشرات عادية، بل عناصر أزمة حقيقية. لكن تحويلها إلى سردية “نهاية وشيكة” يفتقر إلى الانضباط التحليلي.
التصعيد في الخطاب لا يساوي بالضرورة قرارًا نهائيًا بالحرب المفتوحة. في إدارة الأزمات الدولية، تُستخدم التهديدات القصوى غالبًا كأداة ضغط تفاوضي بقدر ما تُستخدم كمقدمة لعمل عسكري. القراءة التي تتعامل مع كل تصريح على أنه أمر عمليات جاهز، هي قراءة تبسيطية تُخطئ فهم ديناميكيات الردع.
في المقابل، التقليل من المخاطر خطأ مماثل. ما يتغير في هذه اللحظة ليس فقط مستوى التوتر، بل طبيعة الأهداف المحتملة. الحديث عن استهداف منشآت حيوية، كهرباء، جسور، طاقة، يرفع سقف المخاطرة إلى مستوى يمس البنية المدنية، وهو ما يفتح الباب أمام تداعيات قانونية وأخلاقية، فضلًا عن مخاطر الانزلاق غير المحسوب. هنا تحديدًا يصبح “سُلّم التصعيد” أكثر هشاشة: ضربة خاطئة أو تقدير سيئ قد يبدد بسرعة أي قدرة على الضبط.
على الجانب الإيراني، لا يمكن اختزال رفض الهدنة المؤقتة في خانة “التعنت”. هذا الموقف يعكس حسابًا تفاوضيًا مرتبطًا بأزمة ثقة عميقة: هدنة بلا ضمانات قد تُقرأ كفرصة لإعادة التموضع لدى الخصم. لكن في الوقت نفسه، رفع سقف الشروط في ظل مهلة علنية وتهديد مباشر يزيد احتمالات سوء التقدير، ويُضيّق هامش المناورة أمام الوسطاء.
الإشكالية الأكثر حضورًا في الخطاب المتداول هي تحويل كل تحرك عسكري إلى دليل قاطع على “الضربة النهائية”. في الواقع، الجاهزية العسكرية لا تعني قرار الحرب. الجيوش الكبرى تبني خيارات متعددة: من الردع والضغط، إلى الضربات المحدودة، وصولًا إلى السيناريوهات الأوسع عند الضرورة. الخلط بين القدرة والنية هو أحد أبرز مصادر الخطأ في قراءة الأزمات.
أما في الخليج، فالسردية التي تقفز مباشرة إلى “تدمير شامل” خلال ساعات، رغم استنادها إلى هشاشة حقيقية في البنية التحتية للطاقة والمياه، تبقى مبالِغة. نعم، المنطقة شديدة الحساسية لأي تصعيد، ومضيق هرمز يمثل عقدة حيوية للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيه ستكون كلفته فورية وعالمية. لكن الحديث عن انهيار فوري وكامل يتجاهل عوامل الردع، وقدرات الدفاع، والاستجابة الدولية، وطبيعة الضربات نفسها.
تشبيه الوضع بـ”تشيرنوبل الخليج” يعكس القلق، لكنه يضلل التحليل. ما يتهدد المنطقة ليس كارثة نووية من نمط واحد، بل صدمة مركبة: طاقة، ملاحة، تأمين، سلاسل إمداد، وربما مياه. هذا تهديد بالغ الخطورة بحد ذاته، ولا يحتاج إلى استعارات قصوى تفقده دقته.
السيناريوهات الواقعية على المدى القصير تبقى ثلاثة:
ضغط عسكري يترافق مع ضربات محدودة لتحسين شروط التفاوض؛ تسوية مؤقتة تمنع الانفجار وتؤجل الحسم؛ أو خطأ في الحسابات يكسر منطق الردع ويفتح الباب أمام تصعيد غير قابل للضبط. السيناريو الثالث هو الأخطر، ليس لأنه الأكثر ترجيحًا، بل لأنه الأكثر كلفة.
المفارقة أن جميع الأطراف تتحدث بلغة الحسم، لكنها تتحرك ضمن قيود واضحة. واشنطن تريد فرض معادلة دون الانزلاق إلى حرب طويلة، طهران ترفض الإذعان دون ضمانات، إسرائيل تدفع نحو إضعاف خصم استراتيجي، والعواصم الخليجية تخشى أن تتحول إلى ساحة كلفة بلا قرار. هذا التناقض بين الخطاب والقدرة هو ما يجعل قراءة التصريحات بمعزل عن سياقها خطأً منهجيًا.
المنطقة تقف بالفعل على حافة مرحلة خطيرة، لكن ليس على حافة “نهاية حتمية”. الخطر الحقيقي يكمن في البيئة التي تتقاطع فيها المهلة السياسية مع التهديد العسكري، ويصبح فيها الخطأ، لا القرار هو المحرك الأكثر ترجيحًا للتصعيد. يوم الثلاثاء لن يكون يوم القيامة، لكنه قد يكون يوم اختبار حاسم: هل تبقى الأزمة ضمن منطق الردع، أم تنزلق إلى ما هو أبعد من قدرة الجميع على السيطرة؟



