أثارت الضربات العسكرية التي نُسبت إلى إدارة دونالد ترامب ضد إيران موجة اعتراضات واسعة داخل الحزب الديمقراطي، حيث اعتبر عدد من القادة السياسيين أن هذه الخطوة تمثل انخراطاً في حرب غير مفوضة دستورياً وتحمل مخاطر استراتيجية جسيمة على الأمن القومي الأميركي والاستقرار الإقليمي.
اعتراضات من قيادات ديمقراطية بارزة
انتقد حاكم كاليفورنيا جافين نيوسوم ما وصفه بحرب “غير شرعية وخطيرة”، محذراً من تعريض القوات الأميركية لمخاطر دون تفويض واضح من الكونغرس أو دعم شعبي صريح. وفي السياق ذاته، رأى وزير النقل السابق بيت بوتيجيج أن التصعيد الخارجي لا يعالج التحديات الداخلية الملحّة، بل يفاقم حالة عدم اليقين.
أما حاكم كنتاكي آندي بيشير فشدد على ضرورة مساءلة السلطة التنفيذية أمام الكونغرس، في حين وصف حاكم إلينوي جيه بي بريتزكر الضربات بأنها بلا مبرر أو هدف استراتيجي واضح.
الجدل الدستوري وصلاحيات الحرب
تتركز إحدى أبرز نقاط الخلاف حول ما إذا كانت هذه العمليات العسكرية تتوافق مع صلاحيات الرئيس بموجب الدستور الأميركي، أم أنها تتطلب تفويضاً تشريعياً صريحاً وفق قانون صلاحيات الحرب (War Powers Resolution). وقد دعت السيناتور باتي موراي إلى تصويت عاجل في الكونغرس لإنهاء أي انخراط عسكري محتمل، فيما تقدم السيناتور تيم كاين بمشروع قرار يهدف إلى تقييد استخدام القوات الأميركية في أعمال عدائية ضد إيران دون موافقة تشريعية.
موقف التيار التقدمي: رفض الحرب وتحذير من تكرار التاريخ
من جهته، وصف السيناتور بيرني ساندرز التحرك العسكري بأنه “غير قانوني وغير دستوري”، محذراً من تكرار سيناريوهات تاريخية مثل حرب فيتنام أو غزو العراق، حيث تم بحسب منتقدين، تضليل الرأي العام الأميركي حول مبررات الحرب. وأكد أن أي تصعيد جديد سيؤدي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط.
كما أعرب السيناتور أندي كيم والسيناتور إليزابيث وارن عن رفضهما لما اعتبراه انفراداً بالقرار التنفيذي في قضية تمس الأمن القومي بشكل مباشر، بينما وصف السيناتور كريس ميرفي الضربات بأنها خطأ استراتيجي جسيم قد يجر الولايات المتحدة إلى صراع أوسع.
أبعاد سياسية وانتخابية
يتجاوز الجدل الإطار القانوني ليأخذ بعداً انتخابياً واضحاً، خصوصاً مع اقتراب دورة الانتخابات الرئاسية لعام 2028. فعدد من المنتقدين يُنظر إليهم كمرشحين محتملين، ما يجعل مواقفهم جزءاً من رسم خطاب سياسي يوازن بين الأمن القومي وتجنب “الحروب التي لا نهاية لها”، وهو شعار اكتسب زخماً داخل الرأي العام الأميركي بعد عقدين من الانخراط العسكري في الشرق الأوسط.
قراءة تحليلية: ما الذي يكمن خلف الانقسام؟
البعد الدستوري: هل يمتلك الرئيس صلاحية توجيه ضربات محدودة دون إعلان حرب رسمي؟
البعد الاستراتيجي: هل تؤدي الضربات إلى ردع إيران أم إلى توسيع نطاق المواجهة عبر وكلاء إقليميين؟
البعد الداخلي: إلى أي مدى يتقبل الناخب الأميركي انخراطاً عسكرياً جديداً في ظل أزمات اقتصادية داخلية؟
اللافت أن الاعتراضات لا تقتصر على البعد الإنساني أو القانوني، بل تتصل بحسابات الكلفة والعائد: فالتجربة الأميركية في الشرق الأوسط أظهرت أن الحروب قد تبدأ محدودة لكنها تتوسع تدريجياً بفعل الردود المتبادلة وسوء التقدير.
خلاصة
تعكس هذه المواقف انقساماً عميقاً داخل المؤسسة السياسية الأميركية حول جدوى وأخلاقية أي مواجهة عسكرية مع إيران. وبينما ترى الإدارة أن التحرك قد يكون ضرورياً لحماية المصالح الأميركية أو حلفائها، يحذر معارضون من أن الدخول في صراع جديد دون استراتيجية خروج واضحة أو تفويض تشريعي صريح قد يعيد إنتاج أخطاء الماضي.
في المحصلة، يبقى السؤال الجوهري: هل تمثل هذه الضربات خطوة تكتيكية محدودة، أم أنها بداية مسار تصعيدي يصعب احتواؤه؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل العلاقة الأميركية–الإيرانية، بل أيضاً ملامح الجدل السياسي الداخلي في الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة.




