لم يعد النزوح في لبنان مجرد أرقام تعلنها الجهات الرسمية، بل أصبح مشهداً يومياً يملأ الطرقات والساحات العامة. فمع تصاعد القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق الجنوب، اضطرت مئات الآلاف من العائلات إلى مغادرة منازلها بشكل مفاجئ، حاملة معها ما استطاعت من حاجيات أساسية، تاركة خلفها بيوتاً وذكريات لا تعرف إن كانت ستعود إليها قريباً أم لا.
في الشوارع اللبنانية، يمكن رؤية صورة الأزمة بوضوح. سيارات مكتظة بالعائلات والأمتعة، حافلات تقلّ نازحين من القرى الجنوبية، وأشخاص يسيرون على الأقدام بعد أن عجزوا عن إيجاد وسيلة نقل. الطرقات المؤدية إلى بيروت والمناطق الشمالية والشرقية شهدت ازدحاماً غير مسبوق، حيث حاول آلاف السكان الهروب من مناطق القصف بحثاً عن مكان أكثر أماناً.
كثير من العائلات وصلت إلى المدن والبلدات من دون خطة واضحة. بعضهم لجأ إلى مدارس تحولت إلى مراكز إيواء مؤقتة، بينما اضطر آخرون إلى المبيت في السيارات أو عند أقارب وأصدقاء. وفي بعض المناطق، شوهدت عائلات تفترش الأرصفة أو الحدائق العامة بانتظار إيجاد مأوى مناسب.
روايات النازحين في الشارع تعكس حجم الخوف والصدمة. فالبعض تحدث عن مغادرة منازله خلال دقائق بعد سماع الانفجارات أو تلقي تحذيرات بالإخلاء. آخرون قالوا إنهم لم يتمكنوا من أخذ أي شيء معهم سوى الوثائق الأساسية وبعض الملابس. وبينما يحاول الأهالي طمأنة أطفالهم، يبقى القلق واضحاً في وجوه الجميع.
الجهات الرسمية أعلنت أنها تعمل على توفير مراكز إيواء وتقديم المساعدات للنازحين، إلا أن الواقع في الشوارع يظهر أن الاستجابة لا تزال تواجه تحديات كبيرة. فالعدد الكبير للنازحين، إضافة إلى الازدحام على الطرقات وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، يجعل عملية تنظيم الإيواء وتوزيع المساعدات أكثر تعقيداً.
في الوقت نفسه، ظهرت مبادرات تضامن شعبية في عدد من المناطق اللبنانية، حيث فتح بعض السكان منازلهم لاستقبال العائلات النازحة، بينما عمل متطوعون على توزيع الطعام والمياه والبطانيات في الشوارع ومراكز الإيواء.لكن رغم هذه المبادرات، يبقى المشهد الإنساني ثقيلاً. فالنازحون يعيشون حالة من عدم اليقين: إلى متى سيبقون بعيدين عن منازلهم؟ وهل ستكون بيوتهم ما زالت قائمة عند عودتهم؟ما يحدث في الشوارع اللبنانية اليوم يعكس أزمة إنسانية حقيقية، حيث تتحول الطرقات إلى ممرات نزوح جماعي، وتصبح المدن محطات مؤقتة لعائلات تبحث فقط عن الأمان. وبينما تستمر الغارات والتوترات العسكرية، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف في هذا الصراع، يدفعون ثمنه نزوحاً وخوفاً وفقداناً للاستقرار.




