عاد مضيق هرمز إلى واجهة المشهد الدولي بوصفه أحد أخطر بؤر التوتر في سوق الطاقة العالمي، بعد تقارير تحدثت عن تهديدات محتملة لتدفق النفط من المنطقة. صحيفة The New York Times أشارت إلى أن الصراع المتصاعد في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى اضطراب سريع في الإمدادات، ما يفتح الباب أمام ارتفاعات حادة في أسعار النفط مع افتتاح الأسواق.
في السياق ذاته، أعلنت UK Maritime Trade Operations أنها تلقت بلاغات من سفن في الخليج تفيد بتلقيها رسائل تتعلق بإغلاق مضيق هرمز. كما نصحت الإدارة البحرية الأميركية السفن التجارية الأميركية بالابتعاد عن منطقة الخليج، بما في ذلك المضيق، وتجنب الإبحار فيه قدر الإمكان. وتزامن ذلك مع خطوات احترازية من شركات شحن عالمية، من بينها Nippon Yusen اليابانية، التي أصدرت تعليمات لأسطولها بعدم المرور عبر المضيق، فيما طلبت اليونان من أسطولها التجاري إعادة تقييم خطط العبور.
أهمية استراتيجية لا يمكن تجاوزها
يمثل مضيق هرمز شريانًا حيويًا للطاقة العالمية؛ إذ يمر عبره ما لا يقل عن 20% من الإنتاج النفطي اليومي عالميًا، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. هذا الحجم الضخم يجعل أي اضطراب، حتى وإن كان مؤقتًا كافيًا لإحداث هزة قوية في الأسواق.
المشكلة لا تكمن فقط في احتمالية الإغلاق الفعلي، بل في “علاوة المخاطر” التي تسعّرها الأسواق فور ظهور مؤشرات تهديد. فأسواق النفط تتفاعل بسرعة مع التوترات الجيوسياسية، وغالبًا ما تسبق الأسعار الأحداث.
انعكاسات مباشرة على الأسواق
في حال تصاعد المخاوف، من المتوقع أن:
- ترتفع أسعار النفط فورًا في التداولات الآجلة.
- تتزايد تكاليف الشحن والتأمين البحري.
- ترتفع أسعار الوقود في الأسواق المحلية.
- تتسع الضغوط التضخمية عالميًا، ما يعقّد سياسات البنوك المركزية.
غير أن التاريخ يشير إلى أن كثيرًا من الأزمات الجيوسياسية رفعت الأسعار مؤقتًا قبل أن تتراجع مع اتضاح محدودية التأثير الفعلي على الإمدادات. لذلك يبقى العامل الحاسم هو ما إذا كانت التهديدات ستتحول إلى تعطيل مستدام أم ستظل في إطار الضغط السياسي والعسكري.
هل توجد بدائل؟
تمتلك بعض الدول المصدّرة خطوط أنابيب بديلة تتجاوز المضيق، إلا أن طاقتها الاستيعابية لا تعادل كامل حجم الصادرات العابرة له. كما يمكن للدول المستهلكة الكبرى اللجوء إلى السحب من احتياطياتها الاستراتيجية لاحتواء الصدمة مؤقتًا، لكن هذه الإجراءات تبقى حلولًا مرحلية لا تعالج جوهر المخاطر.
اختبار جديد لأمن الطاقة العالمي
التطورات الأخيرة تعيد تسليط الضوء على هشاشة النظام الطاقي العالمي واعتماده الكبير على نقاط اختناق جغرافية محدودة. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري ضيق، بل عقدة مركزية في شبكة الإمدادات العالمية. أي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، من تكلفة النقل والإنتاج إلى أسعار الغذاء والسلع الأساسية.
يبقى السؤال الأهم: هل يشهد العالم أزمة إمدادات فعلية أم مجرد موجة قلق عابرة؟ الإجابة ستتحدد وفق مسار الأحداث الميدانية وقدرة الأطراف الدولية على احتواء التصعيد. لكن المؤكد أن الأسواق تترقب، وأي إشارات جديدة قد تدفع أسعار النفط إلى مستويات لم تشهدها منذ فترات الاضطراب الكبرى.
في عالم مترابط يعتمد على تدفقات طاقة مستقرة، يظل مضيق هرمز نقطة اختبار دائمة لتوازن السياسة والاقتصاد، ولقدرة العالم على إدارة أزماته دون أن تتحول إلى صدمات شاملة.




