لم تعد الضربات التي استهدفت طهران حدثاً عسكرياً معزولاً في حسابات الميدان، بل تحولت سريعاً إلى سؤال سياسي–دستوري داخل واشنطن. فالتأكيد على مشاركة الولايات المتحدة في عمليات مشتركة مع إسرائيل يمثل انتقالاً نوعياً من دعم دفاعي تقليدي إلى انخراط عملياتي مباشر، وهو تحول يحمل تبعات تتجاوز ساحة القتال إلى أروقة الكونغرس والرأي العام.
من “الدعم الدفاعي” إلى “الشراكة الهجومية”
في جولات سابقة من التصعيد، درجت الإدارات الأميركية على توصيف دورها بأنه دفاعي: حماية إسرائيل، اعتراض صواريخ، أو تعزيز الردع البحري في شرق المتوسط. أما اليوم، فإن الحديث عن مشاركة مباشرة في ضربات تستهدف “تفكيك جهاز الأمن الإيراني” يضع واشنطن في موقع الفاعل الهجومي لا المساند الخلفي.
هذا التحول يطرح ثلاثة أسئلة مركزية:
ما حجم المشاركة الأميركية فعلياً؟
هل هي عملية محدودة زمنياً وأهدافاً؟
أم بداية مسار تصعيدي مفتوح؟
الإجابة على هذه الأسئلة لم تُعلن بشكل تفصيلي بعد، لكن المؤشرات الميدانية — من نشر أصول بحرية وجوية متقدمة — توحي بأن الاستعداد لم يكن رمزياً.
البعد السياسي: شبح 2003
القياس التاريخي حاضر بقوة في النقاش الأميركي. فكل انخراط عسكري واسع في الشرق الأوسط يستدعي مقارنة تلقائية مع حرب العراق عام 2003:
أهداف غير محددة بدقة
كلفة بشرية ومالية باهظة
انخراط طويل الأمد يتجاوز التقديرات الأولية
الرئيس دونالد ترامب ألمح سابقاً إلى أن سقوط النظام الإيراني قد يكون “أفضل”، لكنه لم يعلنه هدفاً رسمياً. هذا الفارق بين التلميح السياسي والتبني الاستراتيجي مهم، لأن تبنّي هدف إسقاط نظام ينقل العملية من ردع أو احتواء إلى مشروع تغيير جذري.
الكونغرس: السلطة المغيّبة أم الشريك القلق؟
الدستور الأميركي يمنح الكونغرس صلاحية إعلان الحرب، فيما يملك الرئيس صلاحيات واسعة في إدارة العمليات العسكرية. في حالات سابقة، استندت الإدارات إلى تفويضات قديمة أو إلى مفهوم “العمل المحدود” لتجاوز إعلان حرب رسمي.
التواصل الأخير بين البيت الأبيض وقادة الكونغرس، بما في ذلك اجتماع وزير الخارجية ماركو روبيو مع ما يُعرف بـ“عصابة الثمانية”، يعكس إدراكاً لحساسية اللحظة. كما طالب زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر الإدارة بتوضيح الأهداف والمدة والكلفة.
الرهان الداخلي واضح:
إذا طال أمد العمليات، أو توسعت لتشمل ردوداً إيرانية مباشرة على قواعد أميركية، فإن الضغط السياسي سيتضاعف.
إسرائيل: الهجوم الاستباقي ومعادلة الرد
إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بدء هجوم “استباقي” على طهران يضع العملية ضمن إطار الردع الموسع. لكن استهداف بنية أمنية لدولة بحجم إيران يختلف عن ضرب موقع عسكري معزول.
هنا يكمن الفرق الجوهري:
ضرب قدرات = رسالة ردع.
ضرب جهاز أمني = مساس ببنية النظام.
وهذا يفسر حالة التأهب القصوى داخل إسرائيل، وإغلاق المدارس، وتفعيل صفارات الإنذار تحسباً لرد واسع.
الرأي العام الأميركي: تعب الحرب
الإرث الأميركي في العراق وأفغانستان لا يزال حاضراً في الوعي الجمعي.
الناخب الأميركي:
أقل حماسة لتدخلات مفتوحة.
أكثر حساسية تجاه الكلفة الاقتصادية.
منقسم سياسياً حول دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
أي تصعيد طويل قد يتحول من ملف أمني إلى ملف انتخابي، خصوصاً إذا لم تكن الأهداف محددة بدقة أو قابلة للقياس.
السيناريوهات المحتملة
عملية محدودة الأهداف
ضربات مركزة لفرض معادلة ردع جديدة، يعقبها احتواء دبلوماسي.تصعيد متدرج
ردود إيرانية على قواعد أو مصالح أميركية تؤدي إلى توسيع نطاق الاشتباك.انزلاق إلى حرب مفتوحة
إذا تحول الهدف فعلياً إلى إضعاف النظام أو إسقاطه، فقد يتطلب ذلك مساراً يتجاوز الضربات الجوية.
السيناريو الثالث هو الأكثر كلفة وتعقيداً، والأقل قابلية للتنبؤ.
بين الحسم العسكري والحساب السياسي
المواجهة الراهنة لا تُختزل في عدد الطائرات أو حجم الانفجارات في طهران. جوهرها يكمن في سؤال أعمق:
هل تمثل الضربات عملية محدودة ضمن استراتيجية ردع، أم بداية إعادة تشكيل للمعادلة الإقليمية بالقوة؟
الإدارة الأميركية تقف اليوم عند تقاطع حساس:
أي نجاح عسكري سريع قد يعزز سردية الحسم.
أما أي انخراط طويل الأمد بلا أفق واضح، فسيعيد إلى الواجهة أسئلة العراق، لا في طهران هذه المرة، بل في واشنطن نفسها.
وفي الحروب الكبرى، لا يُقاس النصر فقط بما يتحقق في الميدان، بل بقدرة النظام السياسي على تحمّل تبعات القرار.




