في بلدٍ اعتاد أن يصدّر أزماته قبل أن يصدّر طاقاته، تبرز قصص فردية تشبه الضوء في زمن العتمة، وتعيد التذكير بأن لبنان، رغم كل ما يمرّ به، لا يزال قادرًا على إنجاب العقول اللامعة. من بين هذه القصص، تبرز سيرة الدكتورة زهراء نبيل فقيه، ابنة الجنوب اللبناني، التي شقّت طريقها العلمي بإصرار، ورفعت اسم بلدها عاليًا في واحدة من أعرق الجامعات الأوروبية.

زهراء، ابنة بلدة السكسكية الجنوبية، تخرّجت من الجامعة اللبنانية ونالت درجة الماجستير بتفوّق، وكانت من بين الطالبات المتقدّمات علميًا في مسيرتها الأكاديمية. طموحها لم يكن محدودًا، فقد تقدّمت لدراسة الطب، غير أن الواقع اللبناني، بما يحمله من محسوبية وضيق فرص، حال دون وصولها إلى ما تستحقه في وطنها. لكن ما بدا يومًا عائقًا، تحوّل لاحقًا إلى دافع.
بدعم من أهلها وإيمانهم بقدرتها، أُرسلت زهراء لاستكمال دراستها في الخارج، لتبدأ رحلة جديدة، تشبه رحلات كثير من الفتيات اللبنانيات اللواتي حملن أحلامهن خارج الحدود، وعُدن بإنجازات ترفع رأس لبنان عاليًا. هناك، لم تكن الغربة سهلة، ولم يكن الطريق مفروشًا بالفرص، لكن المثابرة كانت اللغة الوحيدة التي أتقنتها.
في فرنسا، التحقت بجامعة بوردو (Université de Bordeaux)، حيث انخرطت في البحث العلمي المتقدّم، وكرّست سنوات من العمل الدقيق في مجال البيولوجيا الجزيئية والأمراض الوراثية. وفي الأول من كانون الأول/ديسمبر 2025، نالت درجة الدكتوراه عن أطروحتها المعنونة:
“Molecular Insights into Pigmentation Defects in Xeroderma Pigmentosum Type C”
(رؤى جزيئية حول عيوب التصبغ في مرض جفاف الجلد المصطبغ – النوع C)
وهو بحث علمي متقدّم يتناول أحد الأمراض الوراثية النادرة والمعقّدة، ويعكس مستوى عاليًا من التخصّص والدقّة، إضافة إلى مساهمة علمية ذات قيمة في مجال الطب والبحث البيولوجي.
ما يجعل هذا الإنجاز أكثر إنسانية وعمقًا، هو توقيته وظروفه. فزهراء كانت تتابع أبحاثها وتدافع عن أطروحتها العلمية، بينما كان جنوب لبنان يعيش تحت وطأة العدوان الإسرائيلي الأخير، ومعه القلق اليومي على الأهل والأرض والناس. بين المختبر وقاعات الجامعة، وبين الأخبار القادمة من الوطن، كانت تعيش صراعًا صامتًا، لكنّها اختارت أن تحوّل القلق إلى قوّة، والخوف إلى تصميم.
لم تسمح للظروف أن تكسر مسارها، ولم تجعل المسافة بينها وبين أهلها سببًا للتراجع. بل على العكس، كان نجاحها بمثابة رسالة أمل، تقول إن أبناء الجنوب، رغم الألم، قادرون على الحياة، وعلى الإنجاز، وعلى تحويل المعاناة إلى طاقة بناء.
قصة الدكتورة زهراء نبيل فقيه ليست مجرد سيرة أكاديمية ناجحة، بل شهادة حيّة على واقع لبناني مزدوج: وطن يقيّد أبناءه أحيانًا، لكنه في الوقت نفسه ينجب من يتخطّون قيوده. هي مثال لجيل شاب لم ينتظر عدالة الفرص، بل صنع فرصته بنفسه، ونال “حصة أكبر” مما كان متاحًا له في البداية.
في زمن تُقاس فيه النجاحات بالأرقام، تبقى بعض الإنجازات ذات قيمة مضاعفة، لأنها تحمل في طيّاتها معنى الصمود والانتماء. وزهراء، ابنة السكسكية والجامعة اللبنانية، واحدة من تلك القصص التي تستحق أن تُروى… لا بوصفها استثناءً، بل بوصفها دليلاً على ما يستطيع اللبناني أن يحققه حين يُترك لعقله وإرادته.
وفي الختام، يتقدّم فريق موقع المسمار، ورئيس تحريره الأستاذ حسين عباس غزالة، بأحرّ التهاني والتبريكات إلى الدكتورة زهراء نبيل فقيه على هذا الإنجاز العلمي المشرّف، متمنّين لها دوام النجاح والتفوّق في مسيرتها المهنية والعلمية، وأن يكون ما حققته محطة أولى في مسار حافل بالعطاء والتميّز، يليق بطموحها ويعكس صورة مشرقة عن الكفاءات اللبنانية في الداخل والاغتراب.




