يشهد مسار العلاقات بين الهند وإسرائيل تحولاً لافتاً خلال العقود الثلاثة الأخيرة، انتقل به من مستوى الاعتراف الدبلوماسي المحدود إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل الدفاع والتكنولوجيا والاقتصاد. ويأتي هذا التقارب في سياق نظام دولي يتجه نحو تعدد الأقطاب، حيث تسعى الدول إلى تنويع شراكاتها وتعظيم مصالحها بعيداً عن الاصطفافات التقليدية.
تقدم هذه المقالة قراءة تحليلية موضوعية لأبعاد هذا التحالف، بعيداً عن المواقف العاطفية أو الأحكام المسبقة، مع محاولة تقييم تأثيره المحتمل على المنطقة العربية.
من التحفظ السياسي إلى العلاقات الكاملة
عقب استقلالها عام 1947، تبنت الهند بقيادة جواهر لال نهرو سياسة خارجية قائمة على عدم الانحياز ودعم قضايا التحرر الوطني. وقد انعكس ذلك في موقف متحفظ من إسرائيل، انسجاماً مع علاقاتها الوثيقة بالدول العربية، واعتبارات داخلية تتعلق بوجود أقلية مسلمة كبيرة، إضافة إلى ارتباطها العسكري بالاتحاد السوفياتي آنذاك.
ورغم اعتراف الهند بإسرائيل عام 1950، فإن العلاقات الدبلوماسية الكاملة لم تُقم إلا عام 1992، بعد انتهاء الحرب الباردة. مثّل ذلك العام نقطة تحول رئيسية، إذ بدأت العلاقات تأخذ طابعاً مؤسسياً منظماً، خاصة في المجال الدفاعي.
التعاون الدفاعي: الركيزة الأساسية
يُعدّ التعاون العسكري العمود الفقري للعلاقة بين الجانبين. ومن أبرز مجالاته:
تطوير منظومة الدفاع الجوي Barak-8 بشكل مشترك.
تزويد الهند بطائرات إنذار مبكر متقدمة.
صفقات طائرات مسيّرة وأنظمة مراقبة إلكترونية.
صواريخ مضادة للدروع وأنظمة تسليح دقيقة.
خلال الفترة 2015–2019، كانت إسرائيل ثاني أكبر مورد سلاح للهند بعد روسيا. ويتميز هذا التعاون بكونه لا يقتصر على صفقات شراء، بل يشمل نقل تكنولوجيا وتصنيعاً مشتركاً، ما يمنحه بعداً استراتيجياً طويل الأمد.
مرحلة ناريندرا مودي: علنية الشراكة وتوسيعها
مع وصول ناريندرا مودي إلى رئاسة الوزراء عام 2014، شهدت العلاقات زخماً سياسياً واضحاً. فقد قام بأول زيارة لرئيس وزراء هندي إلى إسرائيل عام 2017، في خطوة رمزية عكست تحولاً في مستوى الانفتاح العلني.
وفي المقابل، عززت حكومة بنيامين نتنياهو مسار التعاون مع الهند، ووصفت العلاقة بأنها “شراكة استراتيجية متميزة”.
توسعت مجالات التعاون في هذه المرحلة لتشمل:
الزراعة الذكية وإدارة الموارد المائية.
الابتكار التكنولوجي والشركات الناشئة.
الأمن السيبراني.
مشاريع البنية التحتية والطاقة.
بين الأيديولوجيا والمصلحة
يشير بعض المحللين إلى وجود تقاطعات فكرية بين تيار “الهندوتفا” القومي في الهند وبعض مضامين الفكر الصهيوني من حيث التركيز على الهوية القومية. غير أن تفسير العلاقة على أساس أيديولوجي صرف يتجاهل الطبيعة البراغماتية للسياسة الخارجية لدى الطرفين.
فالهند تنتهج سياسة “تعدد الشراكات” (Multi-alignment)، حيث تحافظ على علاقات قوية مع أطراف متباينة، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا والدول العربية وإيران. كما أن إسرائيل تبني تحالفاتها وفق اعتبارات أمنية واقتصادية بالدرجة الأولى.
وعليه، يمكن القول إن المصالح الاستراتيجية هي المحرك الأساسي، بينما يشكل التقارب السياسي عاملاً مساعداً وليس محدداً حصرياً.
العلاقات الهندية–العربية: معادلة متوازنة
ترتبط الهند بعلاقات اقتصادية واسعة مع الدول العربية، إذ يبلغ حجم التبادل التجاري نحو 215 مليار دولار سنوياً، كما يعمل ملايين الهنود في دول الخليج وتشكل تحويلاتهم المالية مورداً مهماً للاقتصاد الهندي.
في المقابل، تظل العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل أقل حجماً، وإن كانت ذات قيمة تقنية وعسكرية عالية.
هذا التفاوت يشير إلى أن الهند تسعى إلى إدارة شبكة مصالح متوازنة، دون الانخراط في اصطفافات إقليمية حادة. فقد وقعت نيودلهي أيضاً اتفاقيات تعاون دفاعي مع دول خليجية، ما يعكس رغبتها في توسيع حضورها الإقليمي دون التضحية بعلاقاتها المتعددة.
التأثير على موازين القوى الإقليمية
يسهم التحالف الهندي–الإسرائيلي في:
تعزيز القدرات العسكرية الهندية.
توسيع الحضور الإسرائيلي في آسيا.
بناء شبكة تعاون تمتد من شرق المتوسط إلى المحيط الهندي.
إلا أن تأثيره على ميزان القوى في الشرق الأوسط يظل تدريجياً، ضمن بيئة إقليمية معقدة تشهد تفاعلات متعددة تشمل قوى إقليمية ودولية أخرى.
لا يشكل هذا التحالف حلفاً عسكرياً مغلقاً، بل جزءاً من شبكة تحالفات مرنة تعكس طبيعة المرحلة الدولية الراهنة.
يمثل التقارب الهندي–الإسرائيلي نموذجاً لتحول في أنماط العلاقات الدولية، حيث تتقدم حسابات الأمن القومي والتكنولوجيا والاقتصاد على الاعتبارات الأيديولوجية الصرفة.
وفي الوقت ذاته، تحتفظ الهند بعلاقات استراتيجية واسعة مع العالم العربي، ما يعكس سعيها إلى تحقيق توازن دقيق بين مختلف الشركاء.
يبقى مستقبل هذا التحالف مرتبطاً بتطورات البيئة الدولية والإقليمية، وبقدرة الأطراف المختلفة على إدارة مصالحها ضمن منظومة عالمية تتسم بالسيولة والتغير المستمر.




