في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، بات الأمن السيبراني أحد أعمدة الأمن الوطني والاقتصادي للدول. إلا أن هذا القطاع الحيوي في لبنان لا يزال يعاني اختلالات بنيوية، تتقاطع فيها الأزمات التشريعية والتقنية مع الواقعين الاقتصادي والسياسي. في هذه المقابلة الصحفية، تسلّط المحامية المتدرجة في نقابة المحامين في بيروت، الأستاذة بادي معنية، الضوء على واقع هذا القطاع، فجواته، وآفاق تطويره.
مسار أكاديمي ومهني عند تقاطع القانون والتكنولوجيا
تنطلق بادي معنية من خلفية قانونية مدعومة بماجستير في الإدارة والتخطيط، ما أتاح لها مقاربة الأمن السيبراني من زاوية شمولية تجمع بين السياسات العامة، الحوكمة، والإدارة الاستراتيجية. وتوضح أن اهتمامها البحثي يتركز على كيفية توظيف أدوات التخطيط الاستراتيجي في مواجهة التهديدات السيبرانية، خصوصًا في دول تعاني أزمات بنيوية كلبنان، حيث تتضاعف المخاطر في ظل ضعف المؤسسات.
واقع الأمن السيبراني: وعي نظري وتطبيق هش
تقيّم معنية واقع الأمن السيبراني في لبنان بأنه يعاني فجوة واضحة بين الإدراك النظري والتطبيق العملي. فبالرغم من تنامي الوعي بأهمية هذا المجال، لا تزال الجهود مبعثرة وتفتقر إلى إطار وطني موحد، ما يترك البلاد مكشوفة أمام مخاطر رقمية متزايدة.
تهديدات متصاعدة وبنى ضعيفة
تشمل أبرز التهديدات الهجمات الإلكترونية على المؤسسات العامة والخاصة، سرقة البيانات الشخصية، والاحتيال المالي الرقمي. وتزداد خطورة هذه التهديدات مع ضعف حماية البنى التحتية الحيوية، كشبكات الاتصالات والأنظمة الحكومية، في ظل غياب منظومات فعّالة للاستجابة للطوارئ السيبرانية.
تشريع متأخر وبنية تقنية غير متجانسة
تشير معنية إلى أن لبنان يفتقر إلى منظومة تشريعية حديثة ومتكاملة للأمن السيبراني. فالقوانين الحالية إما قديمة أو غير مفعّلة، فيما تعاني البنية التقنية من التشتت بين المؤسسات، إضافة إلى ضعف آليات الرقابة والمساءلة.
فجوات بنيوية كشفتها الدراسات الأكاديمية
تتمثل الفجوات الأساسية في نقص الكفاءات المتخصصة، ضعف الاستثمار في التدريب، غياب استراتيجية وطنية شاملة، ومحدودية الوعي المؤسسي والمجتمعي بمخاطر الفضاء السيبراني. هذه العوامل مجتمعة تعيق بناء منظومة رقمية آمنة ومستدامة.
الأزمة الاقتصادية والسياسية: عامل مضاعِف للهشاشة
أثرت الأزمة الاقتصادية والسياسية بشكل مباشر على الجهوزية السيبرانية، من خلال تراجع التمويل، هجرة الكفاءات، وتعليق مشاريع تطويرية عدة. ونتيجة لذلك، ازدادت هشاشة المنظومة الرقمية في وقت تتصاعد فيه التهديدات.
دور الجامعات ومراكز البحث: من التعليم إلى دعم القرار
ترى معنية أن الجامعات ومراكز البحث تشكّل ركيزة أساسية في تعزيز ثقافة الأمن السيبراني، عبر إعداد كوادر مؤهلة، تطوير البحث العلمي، ونشر الوعي. كما يمكن لهذه المؤسسات أن تلعب دورًا استشاريًا داعمًا للدولة في صياغة السياسات العامة.
التخطيط الاستراتيجي كشرط للفعالية
تؤكد أن الأمن السيبراني لا يمكن أن يتحقق دون تخطيط استراتيجي واضح يحدد الأهداف والأولويات، ويربط بين التكنولوجيا، التشريع، والموارد البشرية. فالتقنيات وحدها غير كافية ما لم تُدمج ضمن رؤية وطنية متكاملة.
من البحث إلى التطبيق
تحويل نتائج الأبحاث من إطارها الأكاديمي إلى واقع عملي يتطلب إدماجها في السياسات العامة، وتعزيز الشراكة بين الدولة، الجامعات، والقطاع الخاص، إضافة إلى تصميم برامج تدريبية تستجيب لحاجات فعلية.
المرأة والأمن السيبراني: فرصة غير مكتملة
تقيّم معنية حضور المرأة في مجالات الأمن السيبراني والتكنولوجيا بأنه لا يزال دون المستوى المطلوب، رغم تسجيل تطور ملحوظ. وتشدد على أن هذا المجال يشكّل فرصة حقيقية لتمكين النساء اقتصاديًا ومهنيًا، كونه قائمًا على المعرفة والتحليل، ويوفر فرص عمل مرنة ومحلية وعالمية. ويلعب التعليم الجامعي والتدريب المهني دورًا محوريًا في جذب النساء، عبر تحديث المناهج وتوفير مسارات عملية واضحة.
رؤية مستقبلية مشروطة بالإرادة
تختتم معنية بالتأكيد أن الأمن السيبراني بات عنصرًا أساسيًا من عناصر الأمن الوطني والاقتصادي. ورغم التحديات الكبيرة، يمكن للبنان تحقيق تقدم ملموس إذا توفرت الإرادة السياسية، التخطيط الاستراتيجي، والاستثمار الجاد في العنصر البشري.




