مع تصاعد الضربات الأميركية–الإسرائيلية على إيران، يعود مضيق هرمز إلى واجهة المشهد بوصفه أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. فالمضيق الذي لا يتجاوز عرضه 21 ميلاً عند أضيق نقطة، تمر عبره يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي ما يقارب ربع تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً، إضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
الأزمة لا تكمن فقط في احتمال إغلاق المضيق، بل في ارتفاع منسوب المخاطر المحيطة به. في أسواق الطاقة والشحن، يكفي ارتفاع احتمالات التعطيل لإعادة تسعير السوق فوراً، حتى وإن استمرت السفن في العبور.
ضغط مزدوج: الخليج والبحر الأحمر
تزامن التوتر في الخليج مع استمرار المخاطر في البحر الأحمر يضاعف العبء على قطاع الشحن العالمي. وقد أعادت شركات كبرى، من بينها Maersk، توجيه بعض سفنها بعيداً عن البحر الأحمر وقناة السويس إلى مسار رأس الرجاء الصالح، ما يضيف بين 10 و15 يوماً إلى زمن الرحلة بين آسيا وأوروبا.
تمر عبر قناة السويس نحو 10% من التجارة البحرية العالمية و22% من تجارة الحاويات سنوياً. وأي تراجع في العبور يعني ارتفاع تكاليف الوقود، وزيادة أجور التأجير اليومية، وارتباك سلاسل الإمداد، خاصة تلك التي تعتمد على أنظمة “التسليم في الوقت المناسب”.
التأمين: الرقم الذي يتحرك أولاً
في بيئات النزاع، تقفز أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بسرعة. وتُحتسب هذه العلاوة كنسبة من قيمة السفينة أو الشحنة، وقد ارتفعت في جولات تصعيد سابقة من نطاق 0.2–0.3% إلى نحو 0.5% أو أكثر.
عملياً، يعني ذلك أن ناقلة نفط قيمتها 100 مليون دولار قد تتحمل مئات آلاف الدولارات الإضافية في رحلة واحدة فقط. ومع ارتفاع أسعار استئجار الناقلات بالفعل إلى مستويات لم تُسجل منذ سنوات، يصبح إجمالي كلفة الشحن عبئاً متراكماً ينعكس سريعاً على أسعار الطاقة والسلع.
النفط والغاز: اختبار الحساسية العالمية
تقديرات السوق تشير إلى أن أي تعطيل ملموس ومستمر في تدفقات مضيق هرمز قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة بصورة حادة. وتزداد حساسية الأسواق مع ارتفاع صادرات الشرق الأوسط مؤخراً إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2020.
ورغم امتلاك بعض الدول بدائل جزئية مثل خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية التي تتيح تحويل جزء من الصادرات بعيداً عن المضيق فإن دولاً أخرى، كالعراق والكويت وقطر، تعتمد بدرجة كبيرة على المرور البحري عبر هرمز، ما يجعلها أكثر عرضة لأي اضطراب.
الاقتصادات الآسيوية، وعلى رأسها الصين وكوريا الجنوبية واليابان، تبقى الأكثر تأثراً، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الخليج. أما أوروبا، فرغم تنويع مصادرها بعد 2022، فإنها ستتأثر عبر قناة الأسعار العالمية.
بين صدمة قصيرة وأزمة ممتدة
السيناريو الأول يتمثل في تصعيد محدود يرفع تكاليف الشحن والطاقة مؤقتاً، مع استمرار الملاحة تحت حماية مشددة. في هذه الحالة، قد تشهد الأسواق قفزة سعرية حادة لكنها قابلة للاحتواء خلال أسابيع أو أشهر.
أما السيناريو الثاني، وهو الأخطر، فيتعلق بإغلاق فعلي أو تعطيل طويل الأمد للممرات أو استهداف منشآت إنتاج رئيسية. عندها قد يواجه الاقتصاد العالمي موجة تضخم جديدة، وضغوطاً على سلاسل الإمداد، واحتمال تباطؤ اقتصادي في الدول المستوردة للطاقة.
مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل نقطة ارتكاز في معادلة الأمن الاقتصادي العالمي. كل تصعيد عسكري في محيطه ينعكس فوراً على كلفة الشحن وأسعار النفط والتأمين، حتى قبل أن تتعطل حركة السفن فعلياً.
السؤال الحاسم ليس ما إذا كانت الأسعار سترتفع فهي بدأت بالفعل في التفاعل بل إلى أي مدى سيبقى التصعيد مضبوطاً. فإذا ظلت المواجهة ضمن حدود الردع المتبادل، قد تكون الأزمة موجة اضطراب عابرة. أما إذا تحولت الممرات البحرية إلى ساحة مواجهة مفتوحة، فإن العالم قد يجد نفسه أمام اختبار جديد لمرونته الاقتصادية في زمن تتزايد فيه الهشاشة الجيوسياسية.



