في الجنوب، لا يُفتتح الفن كحدثٍ عابر، بل كفعل حياة، وكإصرارٍ على المعنى في مكانٍ تعوّد أن ينهض من بين الركام.
في صباحٍ جنوبيّ هادئ، فُتح بابٌ صغير على أملٍ كبير. في زفتا، البلدة الجنوبية التي تختزن في ذاكرتها طبقاتٍ من الحكايات، فتح دار زفتا أبوابه على عالمٍ جديد من الفن والإبداع. هذا البيت التراثي العريق، الذي يزيد عمره على قرن من الزمن، لم يعد مجرّد وجهة للراحة والاستجمام، بل تحوّل إلى مساحة حيّة تجمع الناس والفن والثقافة في تجربة متكاملة تنبع من المكان… وتعود إليه.

من قلب هذا البيت، وُلدت خطوة ثقافية تحمل دلالة خاصة: افتتاح بيت الفن زفتا (Zefta Arthouse)، مساحة مخصّصة لدعم الطاقات الفنية المحلية، وجمع الناس حول الفن والإبداع الجنوبي. يقع بيت الفن بالقرب من دار زفتا، في امتداد طبيعي لرؤية ترى في الثقافة جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية، لا نشاطاً معزولاً عنها.

هنا في الجنوب، حيث مرّت الحروب أكثر مما مرّت الفصول، لم يتوقّف يوماً إنتاج المعنى. هنا، ومع كل اهتزازٍ للأرض، كانت هناك دائماً يدٌ تمسك بريشة، أو عينٌ تلتقط صورة، أو فكرةٌ تبحث عن شكل. الفن في هذا السياق ليس ترفاً، بل حاجة إنسانية، ووسيلة للتعبير حين تضيق اللغة، ولحفظ الذاكرة حين يهدّدها النسيان.

جاء المعرض الافتتاحي لبيت الفن زفتا ليجسّد هذا المعنى، عبر مشاركة 22 فناناً وفنانة من جنوب لبنان، قدّموا أعمالاً متنوّعة في الأسلوب والوسيط، لكنها متقاربة في عمقها الإنساني وعلاقتها بالمكان. شارك في المعرض كلّ من:
- مي جعفر
- أسامة بعلبكي
- أمل مطر
- عباس مكي
- عبد الحميد بعلبكي
- عادل قضيح
- علي الحسيني
- علي شمس الدين
- حسين حسين
- دافيد داوود
- درويش شمعا
- رولا الحسيني
- ريما منصور
- زاهد قبيسي
- سكينة حويلا
- صافي جوني
- فتات بحمد
- كوثر بلوق
- نور بلوق
- هدى بعلبكي
- هلا حلواني
- وداني طنوس
- يوسف عون
تنوّعت الأعمال بين الرسم، والتصوير، والنحت، والأعمال التركيبية، لتشكّل معاً مشهداً بصرياً كثيفاً يعكس تجارب فردية مختلفة، تتقاطع في انشغالها بالذاكرة، والهوية، والعيش اليومي في الجنوب. وقد أُنتج عدد من هذه الأعمال خصيصاً لهذه المناسبة، ما منح المعرض طابعاً بحثياً وتأملياً، يتجاوز العرض الجمالي إلى طرح الأسئلة.

لا يقدّم بيت الفن زفتا الفن بوصفه حالة منفصلة عن الحياة، بل كجزءٍ منها. هو امتداد لرؤية دار زفتا، التي تجمع بين التراث والضيافة والثقافة، وتفتح المجال أمام الفنانين والجمهور للتلاقي، والحوار، وبناء تجربة ثقافية متجذّرة في المكان ومفتوحة على لبنان كلّه.

وفي هذا السياق، لا يمكن إلا التوقّف عند الناس. عند أبناء الجنوب، الذين، رغم ما أثقلهم من حروب وخسارات، ما زالوا يفتحون بيوتهم وقلوبهم للفن، ويمنحون الثقافة مكانها الطبيعي في حياتهم. هؤلاء الذين يعرفون أن الفن ليس ترفاً، بل طريقة للبقاء، ووسيلة لحماية الذاكرة من التآكل.
كما يفيض هذا الافتتاح امتناناً لصاحب الدار، بهجت الدرويش، الذي آمن بالمكان قبل أن يؤمن بالمشروع، وبالناس قبل أن يفكّر بالشكل. برؤيته واحتضانه لهذه المبادرة، تحوّلت دار زفتا من بيتٍ للضيافة إلى بيتٍ للمعنى، ومن جدران تحفظ الذاكرة إلى مساحة تفتح باب المستقبل. مبادرة تقول، ببساطة وعمق، إن الإيمان بالمكان وأهله قادر دائماً على أن يخلق حياة جديدة.

في الجنوب، حيث يعرف الناس ثمن الفقد، يعرفون أيضاً قيمة البقاء. وهنا، لا تأتي الريشة لتجمّل الواقع، بل لتقوله كما هو، ولتحفظ ما لا يُقال، ولتؤكّد أن هذا المكان، رغم كل شيء، ما زال قادراً على أن يحكي نفسه بنفسه.
من دار زفتا، وُلد بيتٌ للفن.
ومن الجنوب، يمتدّ هذا الفن… إلى كلّ لبنان.























