في خضم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط، تعود العلاقة المعقدة بين السياسة والاقتصاد إلى الواجهة، لكن هذه المرة عبر زاوية أكثر حساسية: تقاطع المصالح العائلية مع قرارات الحرب. التقارير الأخيرة، وعلى رأسها ما نشرته أسوشيتد برس، تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت الحرب أصبحت أداة استثمار مباشر، لا مجرد نتيجة جانبية للصراع الدولي.
أولاً: اقتصاد الحروب – من الصناعات الدفاعية إلى الفرص الاستثمارية
لطالما شكّلت الحروب محركاً رئيسياً للنشاط الاقتصادي في قطاعات محددة، خصوصاً الصناعات العسكرية والتكنولوجية. ما يُعرف بـ”اقتصاد الحرب” يقوم على زيادة الطلب على:
- الأسلحة التقليدية والمتطورة
- الأنظمة الدفاعية
- التقنيات المرتبطة بالأمن والاستخبارات
في هذا السياق، تمثل الطائرات المسيّرة (الدرونز) أحد أسرع القطاعات نمواً عالمياً، نظراً لانخفاض تكلفتها مقارنة بالطائرات التقليدية، وفعاليتها العالية في العمليات الدفاعية والهجومية.
لكن ما يميّز الحالة الحالية هو انتقال هذا الاستثمار من شركات دفاعية تقليدية إلى كيانات مدعومة سياسياً وعائلياً، وهو ما يثير إشكاليات تتجاوز الاقتصاد إلى الأخلاقيات السياسية.
ثانياً: شركة Powerus ونموذج “الاستفادة من التوتر”
دخول كل من إريك ترامب ودونالد ترامب جونيور في شركة Powerus يضعها في موقع استراتيجي بالغ الحساسية. فالشركة لا تعمل في سوق محايد، بل تستهدف تحديداً دول الخليج، وهي:
- دول تعتمد بشكل كبير على المظلة الأمنية الأميركية
- تواجه تهديدات متزايدة في ظل التوتر مع إيران
- تمتلك قدرة مالية عالية لشراء أنظمة دفاع متقدمة
اقتصادياً، هذه بيئة مثالية لزيادة الطلب:
تهديد أمني + قدرة شرائية عالية + مورد سياسي مؤثر = سوق مربح للغاية
وهنا تكمن النقطة الحساسة: هل يتم خلق الطلب (أو تضخيمه) عبر القرارات السياسية والعسكرية؟
ثالثاً: تضارب المصالح – بين السلطة والسوق
أحد أبرز الانتقادات التي وردت في التقرير جاء على لسان ريتشارد بينتر، الذي أشار إلى احتمال وجود ضغوط غير مباشرة على الدول لشراء منتجات مرتبطة بعائلة الرئيس.
من منظور اقتصادي مؤسسي، هذا يندرج تحت مفهوم:
“تضارب المصالح النظامي” (Systemic Conflict of Interest)
حيث تتداخل:
- سلطة اتخاذ القرار السياسي (الحرب، التحالفات، التهديدات)
- مع مصلحة مالية مباشرة لعائلة صانع القرار
وهذا يخلق تشوهاً في السوق، لأن:
- قرارات الشراء قد لا تكون مبنية على الكفاءة فقط
- المنافسة قد لا تكون عادلة
- الأسعار قد تتضخم نتيجة النفوذ السياسي
رابعاً: إعادة تشكيل سوق الطائرات المسيّرة عالمياً
تصريحات مؤسس الشركة، بريت فيليكوفيتش، حول منافسة الصين وروسيا ليست تفصيلاً ثانوياً. بل تعكس تحوّلاً أوسع:
1. سباق تكنولوجي عالمي
- الصين وروسيا تهيمنان على جزء كبير من سوق الدرونز منخفضة التكلفة
- الولايات المتحدة تحاول استعادة الريادة عبر شركات خاصة مدعومة سياسياً
2. خصخصة الصناعات الدفاعية
بدلاً من الاعتماد الكامل على شركات تقليدية مثل لوكهيد مارتن أو رايثيون، نشهد صعود شركات ناشئة مرتبطة بشبكات نفوذ سياسية.
3. تسليع الأمن الإقليمي
أمن دول الخليج يتحول إلى “منتج” يمكن تسويقه:
- عبر صفقات مباشرة
- أو من خلال خلق بيئة تهديد مستمرة
خامساً: هل الحرب أصبحت نموذج أعمال؟
الفرضية الأخطر هنا ليست أن الحرب مربحة — فهذا معروف تاريخياً — بل أن:
الحرب قد تُستخدم كوسيلة لخلق فرص استثمارية مباشرة لأطراف مرتبطة بالسلطة.
إذا صحت هذه القراءة، فنحن أمام تحول من:
- “اقتصاد يستفيد من الحرب”
إلى - “اقتصاد قد يدفع نحو الحرب”
وهذا يغيّر قواعد اللعبة بالكامل.
سادساً: قراءة نقدية – أين المبالغة وأين الواقع؟
من المهم عدم الانزلاق إلى استنتاجات قطعية دون تمحيص:
ما قد يكون مبالغاً فيه:
- الربط المباشر بين قرار الحرب ومصلحة شركة بعينها يحتاج أدلة أقوى
- سوق الأسلحة بطبيعته يستجيب لأي توتر، بغض النظر عن الأطراف
ما يبدو واقعياً:
- وجود تضارب مصالح محتمل حقيقي
- استغلال التوترات لفتح أسواق جديدة
- اعتماد دول الخليج على المورد الأميركي يجعلها عرضة لضغوط سياسية-اقتصادية
القضية تتجاوز مجرد صفقة تجارية أو تقرير صحفي؛ إنها تعكس تحوّلاً أعمق في طبيعة العلاقة بين السياسة والاقتصاد. عندما تتقاطع قرارات الحرب مع المصالح المالية المباشرة للنخب الحاكمة، يصبح السؤال ليس فقط عن الربح، بل عن:
- من يصنع القرار؟
- ولمصلحة من؟
- وبأي تكلفة على الاستقرار العالمي؟
إذا كنت تنظر للموضوع فقط كـ”فضيحة سياسية”، فأنت تفوّت زاوية أهم:
هذه إشارة إلى إعادة هيكلة خفية في الاقتصاد العالمي، حيث تتحول الجغرافيا السياسية إلى منصة استثمار، والحروب إلى فرص سوقية.




