يشكّل حقل كورمور العمود الفقري لمنظومة الكهرباء في إقليم كردستان العراق. إعلان إيقاف تصدير الغاز من الحقل إلى محطات إنتاج الطاقة، بسبب التصعيد العسكري والأوضاع غير الاعتيادية، لم يكن مجرد قرار تقني مؤقت، بل تطوراً استراتيجياً يسلّط الضوء على هشاشة الأمن الطاقي في الإقليم.
الحقل الذي تديره شركة دانة غاز يزوّد نحو 67% من احتياجات الإقليم من الكهرباء، إضافة إلى تغذية أجزاء من الشبكة في محافظات عراقية أخرى. ومع توقف الإمدادات، تراجعت القدرة الإنتاجية بما يتراوح بين 2500 و3000 ميغاواط، ما خلق فجوة كهربائية كبيرة في وقت تعاني فيه المنطقة أساساً من تحديات مالية وخدمية.
انعكاسات مباشرة على المواطنين
النتيجة الأولى للقرار كانت زيادة ساعات الانقطاع وارتفاع الاعتماد على المولدات الأهلية، وهو ما يعني تكاليف إضافية على الأسر والمؤسسات. الكهرباء ليست خدمة رفاهية؛ إنها شرط أساسي لاستمرار المستشفيات، والمدارس، والمصانع، والأسواق. أي خلل فيها ينعكس فوراً على جودة الحياة والنشاط الاقتصادي.
تكلفة اقتصادية مضاعفة
التحول إلى وقود بديل مثل الديزل أو الفيول لتشغيل المحطات يعني ارتفاع كلفة الإنتاج بشكل كبير مقارنة بالغاز الطبيعي. هذا الفارق تتحمله إما خزينة الحكومة أو المواطن بصورة غير مباشرة. وفي ظل أزمة الرواتب المتكررة والضغوط المالية، يشكل ذلك عبئاً إضافياً على الاستقرار الاقتصادي.
إضافة إلى ذلك، تكرار استهداف منشآت كورمور خلال السنوات الماضية يرفع من مستوى المخاطر الاستثمارية في قطاع الطاقة، ويؤثر على قرارات الشركات الدولية التي تبحث عن بيئة مستقرة قبل ضخ استثمارات طويلة الأمد.
بُعد أمني وسياسي
كورمور ليس مجرد منشأة إنتاج، بل ورقة استراتيجية في معادلة الطاقة داخل العراق. استهدافه أو تعطيله يضعف قدرة الإقليم على إدارة استقلاله الطاقي ويؤثر في توازناته مع الحكومة الاتحادية. كما أن تكرار الهجمات يبعث برسائل سياسية تتجاوز البعد العسكري المباشر.
أزمة تكشف خللاً هيكلياً
ما كشفته الأزمة بوضوح هو الاعتماد المفرط على مصدر واحد للطاقة. عندما يغذي حقل واحد ثلثي احتياجات الكهرباء، يصبح أي اضطراب فيه تهديداً شاملاً للمنظومة بأكملها. تنويع مصادر الطاقة لم يعد خياراً استراتيجياً بعيد المدى، بل ضرورة ملحة.
نحو إعادة التفكير في سياسة الطاقة
قد تشكل هذه الأزمة نقطة تحول إذا استُثمرت بشكل صحيح. المطلوب هو:
تسريع مشاريع الطاقة الشمسية والبديلة.
إنشاء احتياطي استراتيجي للغاز.
تعزيز حماية البنية التحتية الحيوية.
إعادة توزيع مصادر الإنتاج لتقليل المخاطر.
الأمن الطاقي لا يتحقق فقط بوفرة الموارد، بل بقدرة النظام على الصمود أمام الصدمات.
تعليق إمدادات الغاز من حقل كورمور يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة إقليم كردستان على إدارة أزماته الحيوية. فالكهرباء ليست مسألة تقنية فحسب، بل عنصر استقرار اقتصادي واجتماعي وسياسي. وإذا لم تُترجم هذه الأزمة إلى إصلاحات استراتيجية، فقد تتكرر السيناريوهات ذاتها مستقبلاً بكلفة أعلى.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد انقطاع كهرباء، بل إنذار مبكر يدعو إلى إعادة صياغة رؤية شاملة لأمن الطاقة في الإقليم.




