السباق الفضائي الجديد: كيف تعيد الصين رسم موازين القوة العالمية؟
لم يعد الفضاء ميدانا مخصصا للاستكشاف العلمي أو تحقيق الإنجازات الرمزية فحسب، بل أصبح أحد أهم ساحات التنافس الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري بين القوى الكبرى. وفي قلب هذا التحول تقف الصين، التي انتقلت خلال سنوات قليلة من محاولة اللحاق بالولايات المتحدة وروسيا إلى بناء منظومة فضائية متكاملة تسعى من خلالها إلى منافسة الهيمنة الأمريكية، وربما تجاوزها في بعض المجالات.
وقد تجسد هذا التحول بوضوح في يوليو/تموز 2026، عندما نفذت الصين تجربة لصاروخها الجديد «لونغ مارش 10 بي». فبعد انفصال مرحلته الأولى، لم تسقط المرحلة المعززة وتتحول إلى خردة، بل عادت بطريقة خاضعة للتحكم، قبل أن تلتقطها شبكة ضخمة فوق منصة بحرية. واعتُبرت العملية أول استعادة صينية متحكم بها لمركبة إطلاق مدارية، وأول تجربة عالمية لاستعادة صاروخ باستخدام شبكة بدلا من الهبوط التقليدي على أرجل معدنية.
إعادة استخدام الصواريخ: أكثر من إنجاز هندسي
تكمن أهمية الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام في قدرتها على خفض تكلفة الوصول إلى الفضاء وتسريع وتيرة الإطلاق. فالمرحلة الأولى تمثل عادة جزءا كبيرا من تكلفة الصاروخ، واستعادتها تعني إمكانية استخدامها مرة أخرى بدلا من تصنيع صاروخ كامل لكل مهمة.
ويبلغ ارتفاع «لونغ مارش 10 بي» نحو 63 مترا، ويستطيع حمل ما يقارب 16 طنا إلى المدار الأرضي المنخفض، ما يجعله ضمن الفئة نفسها التي يعمل فيها صاروخ «فالكون 9» التابع لشركة سبيس إكس. لكن التجربة الصينية لا تقتصر على منافسة صاروخ أمريكي؛ فالصاروخ يمثل أيضا نسخة تجريبية من تقنيات ستُستخدم في «لونغ مارش 10»، الذي تطوره الصين ضمن خطتها لإرسال رواد فضاء إلى القمر قبل عام 2030.
وهنا تظهر إحدى أبرز خصائص الإستراتيجية الصينية: دمج المشروعات الفضائية المختلفة ضمن منظومة واحدة. فالصاروخ الذي يحمل أقمارا صناعية يمكن أن يختبر في الوقت نفسه تقنيات الاستعادة، بينما تُستخدم محركاته ومراحله لاحقا في برنامج مأهول للوصول إلى القمر. وبهذه الطريقة، لا تخدم كل تجربة هدفا منفردا، بل تدعم عدة برامج متوازية.
نموذج تقوده الدولة وتنفذه الشركات
لا يعتمد الصعود الفضائي الصيني على مؤسسة حكومية واحدة، بل على شبكة واسعة من الشركات الحكومية والخاصة، ومراكز الأبحاث، والمصانع، ومنصات الإطلاق. وقد ارتفع عدد عمليات الإطلاق الصينية من 67 عملية عام 2023 إلى 68 عملية عام 2024، ثم إلى 92 عملية خلال عام 2025، وسط تقديرات بإمكانية تنفيذ نحو 140 عملية في عام 2026.
ورغم استمرار التفوق الأمريكي في العدد الإجمالي لعمليات الإطلاق، فإن الصين تعتمد نموذجا مختلفا يقوم على التخطيط المركزي والتمويل طويل الأمد. فقد فتحت بكين منذ عام 2014 المجال تدريجيا أمام الشركات غير الحكومية، وخففت القيود على الاستثمار الخاص، ثم صنفت الفضاء التجاري قطاعا إستراتيجيا ناشئا، في خطوة مشابهة لدعمها السابق لصناعة السيارات الكهربائية.
وأدى هذا التوجه إلى تأسيس تجمعات صناعية ضخمة في مدن مثل بكين وشنغهاي وشنتشن ووينتشانغ. كما أنشأت سبع شركات صينية بارزة شبكة تضم عشرات مواقع الإنتاج والتطوير، بينما تعمل مقاطعة هاينان على بناء منشآت قادرة على إنتاج أعداد كبيرة من الأقمار الصناعية باستخدام أساليب التصنيع المتسلسل المستوحاة من صناعة السيارات.
ميزة هذا النموذج أن الدولة تستطيع دعم شركات متعددة حتى قبل تحقيقها أرباحا مباشرة. وينتج عن ذلك تنافس داخلي قوي يدفع إلى خفض التكاليف وتسريع التطوير، قبل أن تبرز في النهاية مجموعة محدودة من الشركات القادرة على المنافسة عالميا.
القمر في قلب المنافسة
يمثل القمر أحد أهم محاور البرنامج الفضائي الصيني. ففي عام 2019، حققت مركبة «تشانغ آه-4» أول هبوط سلس على الجانب البعيد من القمر، ثم أعادت «تشانغ آه-5» عينات قمرية إلى الأرض عام 2020. وفي عام 2024، نجحت «تشانغ آه-6» في جمع عينات من حوض القطب الجنوبي–أيتكن على الجانب البعيد وإعادتها إلى الأرض.
ولا تنظر الصين إلى هذه المهمات باعتبارها إنجازات منفصلة؛ إذ تخطط لإطلاق «تشانغ آه-8» عام 2028 لدراسة الجليد المائي في القطب الجنوبي للقمر واختبار إمكانية استخدام الموارد المحلية. وترتبط هذه المهمة بمشروع «محطة الأبحاث القمرية الدولية» الذي تقوده الصين بالتعاون مع روسيا وعدد من الدول والمؤسسات.
وتكتسب منطقة القطب الجنوبي أهمية خاصة بسبب احتمال وجود جليد مائي يمكن استخدامه للشرب، وإنتاج الأكسجين، وربما تصنيع الوقود الصاروخي. لذلك تحولت المنطقة إلى مركز تنافس بين الصين والولايات المتحدة، وأصبح الوصول إليها مرتبطا بموازين النفوذ وبالقواعد التي قد تنظم استغلال الموارد القمرية مستقبلا.
من الاستكشاف إلى بناء التحالفات
في المقابل، أعادت الولايات المتحدة صياغة برنامج «أرتميس» بوصفه أداة للحفاظ على موقعها القيادي في الفضاء. ولم يعد السؤال المطروح أمريكيا يتعلق فقط بإمكانية العودة إلى القمر، بل بمن سيصل أولا إلى مناطقه الأكثر أهمية، ومن سيكون قادرا على وضع قواعد النشاط الاقتصادي والعلمي فوق سطحه.
وقد امتد التنافس إلى بناء التحالفات الدولية. فالولايات المتحدة تقود «اتفاقيات أرتميس»، التي انضمت إليها مجموعة واسعة من الدول، بينما تبني الصين وروسيا تحالفا موازيا حول مشروع محطة الأبحاث القمرية. وبهذا لم يعد السباق الفضائي مواجهة ثنائية بين دولتين فقط، بل أصبح منافسة بين شبكتين سياسيتين واقتصاديتين تسعيان إلى تحديد شكل النظام الفضائي المقبل.
الأقمار الصناعية: البنية التحتية للقوة
لا تقتصر الخطط الصينية على القمر والصواريخ، بل تشمل بناء كوكبات ضخمة من الأقمار الصناعية. وتعمل بكين على مشروع «غووانغ»، الذي يستهدف نشر نحو 13 ألف قمر صناعي، ومشروع «تشيانفان»، الذي يُخطط لأن يتجاوز 15 ألف قمر.
الهدف المعلن هو توفير الإنترنت الفضائي للمناطق النائية والسفن والطائرات، ودعم شبكات الجيل السادس وإنترنت الأشياء. لكن البعد الإستراتيجي لا يقل أهمية، إذ تسعى الصين إلى امتلاك شبكة اتصالات مستقلة لا تعتمد على شركات أمريكية قد تتعرض خدماتها للتقييد أو القطع خلال الأزمات.
كما يمكن لهذه الشبكات ربط القوات البرية والطائرات والسفن والمسيّرات ومراكز القيادة، ونقل بيانات الاستطلاع والمراقبة بسرعة. وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا أن خدمات الإنترنت الفضائي ليست مجرد أداة مدنية، بل يمكن أن تؤدي دورا عسكريا مباشرا في إبقاء القوات متصلة وتوجيه الطائرات المسيّرة وتبادل المعلومات.
من هنا، تصبح الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام عنصرا أساسيا في الأمن القومي. فالدولة القادرة على إطلاق الأقمار الصناعية بسرعة وبتكلفة منخفضة تستطيع توسيع شبكاتها المدارية، وتعويض الأقمار التي تتعطل أو تُدمّر، والحفاظ على قدراتها في أثناء الأزمات.
منطقة رمادية بين المدني والعسكري
تتقدم الصين أيضا في مجالات صيانة الأقمار الصناعية والمناورة المدارية. فقد نفذت مركبات صينية عمليات اقتراب والتحام وسحب لأقمار صناعية معطلة، وهي تقنيات يمكن استخدامها في إصلاح الأقمار أو تزويدها بالوقود، لكنها قد تُستخدم كذلك في تعطيل أقمار الخصوم أو نقلها من مداراتها.
وفي الوقت نفسه، توسعت قدرات الصين في مجال الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الفضائي. ويسمح تزايد أعداد الأقمار المزودة بحساسات بصرية ورادارية ومتعددة الأطياف بمراقبة المواقع العسكرية وحركة السفن والطائرات بصورة متكررة، بحيث تتحول الصور المتباعدة تدريجيا إلى متابعة شبه مستمرة للأهداف.
وهذا التداخل بين المدني والعسكري يجعل تحديد طبيعة النشاط الفضائي أكثر صعوبة. فالقمر الصناعي التجاري الذي يلتقط صورا للأراضي الزراعية أو المدن يستطيع تقنيا تصوير القواعد العسكرية والسفن، وشبكة الاتصالات التي توفر الإنترنت للمدنيين يمكن أن تربط الوحدات العسكرية أثناء النزاعات.
سباق بلا قواعد كافية
في مواجهة الصعود الصيني، تعمل الولايات المتحدة على تطوير قدراتها العسكرية الفضائية، بما يشمل إطلاق الأقمار بسرعة، والمناورة في المدار، وتعطيل أنظمة الخصوم، وبناء منظومات دفاع صاروخي تعتمد على الفضاء.
تكمن الخطورة في أن هذا السباق يجري في ظل ضعف القواعد الدولية. فمعاهدة الفضاء الخارجي وُضعت في ستينيات القرن الماضي، عندما كان عدد الدول والأقمار الصناعية محدودا، ولم تكن تقنيات الإنترنت الفضائي أو الصيانة المدارية أو الأسلحة المضادة للأقمار قد وصلت إلى مستواها الحالي.
ومع التخطيط لإطلاق عشرات الآلاف من الأقمار الصناعية، يمكن لأي مواجهة أو خطأ تقني أن ينتج كميات هائلة من الحطام الفضائي. ولا يهدد هذا الحطام الطرفين المتنافسين فقط، بل قد يعرض الأقمار المدنية والعلمية التابعة لجميع الدول للخطر.
لا تحاول الصين اليوم تقليد النموذج الأمريكي فحسب، بل تعمل على تأسيس نموذج فضائي خاص بها يجمع بين التخطيط الحكومي والمنافسة التجارية والتصنيع واسع النطاق والأهداف العسكرية طويلة الأمد.
وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى حماية تفوقها عبر تسريع برامجها القمرية وتطوير قوة فضائية أكثر قدرة على العمل في بيئة متنازع عليها. وبين الطرفين، يتشكل سباق جديد لا يتعلق فقط بمن يصل إلى القمر أولا، بل بمن يمتلك الصواريخ الأرخص، والأقمار الأكثر عددا، والشبكات الأكثر مرونة، والقدرة الأكبر على تحديد قواعد استخدام الفضاء.
لذلك، قد يكون القرن الحادي والعشرون شاهدا على انتقال الصراع بين القوى الكبرى من الأرض والبحار إلى المدارات والقمر. والتحدي الحقيقي لن يكون في الوصول إلى الفضاء وحده، بل في منع تحوله إلى ساحة مواجهة تهدد البنية التحتية التي أصبحت حياة البشر على الأرض تعتمد عليها بصورة متزايدة.





